البنت تستاهل
بصيت لمريم.
مديت إيدي لها وقلت:
—يلا يا بنتي. هنمشي.
مريم بدأت تهز راسها بخوف.
—ماما... مينفعش.
—ينفع.
—هو مش هيسيبني.
مسكت إيدها جامد وقلت:
—إنتِ عندك بيت. وعندك أم. ومش هتفضلي هنا دقيقة واحدة كمان.
كريم ضحك وقال بثقة غريبة:
—هترجع. كلهم بيرجعوا.
ما رديتش عليه.
خدت بنتي ومشينا.
وأول ما ركبنا العربية، مريم انهارت.
كانت بتترعش ومش قادرة تتكلم.
وأنا كنت سايقة وأنا ماسكة نفسي بالعافية عشان ما أعيطش قدامها.
فتحت موبايلي ودورت على رقم المستشار محمود صبري، محامي قديم وصديق للعيلة من سنين.
اتصلت بيه.
وقلت له جملة واحدة:
—محمود، أنا محتاجة مساعدتك فورًا. بنتي في مصيبة.
اللي ما كنتش أعرفه وقتها...
إن إخراج مريم من المطعم كان مجرد أول خطوة.
لأن الساعات اللي جاية هتكشف عقد مخفي، و8 شهور من الشغل من غير جنيه واحد، ودليل واحد بس...
كان ممكن يهد كريم الشناوي من أساسه.
سيارة سعاد تحركت سريعًا مبتعدة عن مطعم "الطبلية"، ومريم في المقعد الخلفي تضم ركبتيها إلى صدريها، تبكي بصمت مطبق، كأنها خارجة للتو من معسكر اعتيادي للقهر.
لم تكف سعاد عن تهدئتها طوال الطريق، قائلة بصوت منسجم بين القوة والتأثر:
— "خلاص يا حبيبتي، انتهى الكابوس. محدش يقدر يلمسك تاني طول ما أنا عايشة."
لكن ما لم تكن سعاد تعلمه، وما أدركه المستشار "محمود صبري" فور وصولهما إلى مكتبه العتيق في وسط البلد، أن القضية أكبر بكثير من مجرد تعنيف أو إهانة زوجية.
مفاجأة المستشار محمود
دخل الثلاثة إلى مكتب المستشار الذي استقبلهما بوجوه متهدجة وعيون حانية. جلس محمود ينظر إلى مريم التي كانت بالكاد قادرة على رفع رأسها، وقال بنبرة قانونية حازمة:
— "يا سعاد، اللي عمله كريم ده جناية في حق النفس والحرية الشخصية. بس عشان نضمن إنه ميطلعش منها بثغرة قانونية، لازم نمسك حاجة ملموسة. جوزكِ ده مش مجرد شخص متسلط، ده شكله بيستغل مراته في سخرة وإخفاء عمالة."
رفعت مريم رأسها ببطء، وقالت بصوت متهدج:
— "هو... هو مخلانيش أمضي عقد عمل في المطعم. قال لي: 'إحنا شركاء حياة، الشغل بينا ملوش ورق'. ومن يومها وأنا بشتغل طاهية، وعاملة نظافة، ومديرة حسابات، ومن غير ولا مليم... كنت باخد أكل بايت بس."
هنا تدخلت سعاد بلهفة:
— "وهو ده قانوني؟ يشتغلها 8 شهور من غير أجر ولا حتى إثبات صلة عمل؟"
ابتسم المستشار محمود بابتسامة خبيثة اعتادوا عليها في قضاياه الكبرى، وقال:
— "بالعكس يا سعاد، دي ثغرة قاتلة بالنسبة له. لأن عدم وجود عقد عمل مع إثبات وجودها الفعلي داخل المنشأة طوال هذه المدة، وتحت التهديد والترويع، يحوله من مجرد زوج سيء إلى متهم بارتكاب جريمة 'الاتجار بالبشر والاستغلال الاقتصادي القسري' بجانب العنف الأسري."
ثم أخرج المستشار من درج مكتبه جهاز تسجيل صغير وقال:
— "لكننا هنحتاج لدليل قاطع... حاجة بصوته أو إقرار منه يثبت إنه كان بيمنعها بالقوة ويجبرها على الشغل."
الفخ الأخير
في تمام الساعة الثانية فجراً، عاد هاتف مريم للرنين. كان المتصل هو "كريم".
أشارت سعاد بعينيها إلى مريم لتفتح مكبر الصوت (Speaker) وتسجل المكالمة عبر هاتف المستشار المحمول.
صوت كريم جاء غليظًا وواثقًا من نفسه:
— "أنتِ اتجننتي يا مريم؟ نسيتي نفسك وفكرتي إن أمك هتنفعك؟ قدامك نص ساعة وتكوني في المطعم، والباب مفتوح. لو مجتيش، اعتبري نفسك طالق، وهفضحك وأقول للكل إنك هربتِ وسرقتي إيراد الدخل من الخزنة!"
ردت مريم بصوت مرتعش لكن بجرأة مستمدة من وقوف أمها والمحامي خلفها:
— "أنا مش راجعة يا كريم... ومش هسكت على اللي عملته فيا طوال الـ 8 شهور اللي فاتوا من غير ولا مليم ومن غير أكل!"
ضحك كريم باستهزاء وقال:
— "فلوس إيه يا روح أمك؟ إنتِ كنتِ شغالَة عندي عشان تاكلي وتعيشي في حمايا، وda جزاء العيش والملح؟ روحي اشتكيني، دا أنا أكل عيشي في جيبي وكل شهود المطعم في صفي! يلا، ابعدي عن وشي ومش عايز أشوفك تاني!"
وانقطع الخط.
نظر المستشار محمود إلى الهاتف المسجل عليه المكالمة، وظهرت على وجهه أمارة النصر الواضحة، وقال:
— "بس... كده قفلنا الدائرة عليه تمامًا. اعترف بالنصب، والابتزاز، والتهديد، والاستغلال المادي."
ليلة القبض على "الطبلية"
في صباح اليوم التالي، انطلقت قوة أمنية برفقة المستشار محمود وسعاد ومريم إلى مطعم "الطبلية" في الزمالك.
دخلت قوات الشرطة المطعم في وقت الغداء بينما كان الزباين يملكون الصالة. تفاجأ كريم بالشرطة تقف أمامه، فصاح بعصبية وغرور:
— "في إيه؟ أنتو مين وليه داخلين كده؟ أنا ليا ناس، أنا..."
قاطعه ضابط الشرطة بصوت جاد:
— "كريم الشناوي؟ أنت متهم ببلاغ رسمي مقدم من زوجتك السيدة مريم عبد الرحمن، بتهمة الاستغلال القسري، والاحتجاز غير القانوني، والابتزاز، وتهديدات موثقة صوتيًا."
تلفت كريم حوله برعب، ووقعت عيناه فجأة على مريم وهي واقفة خلف الضابط، يكسوها الثبات والقوة، وبجانبها أمها سعاد التي تنظر إليه نظرة انتصار حاسمة. حاول كريم التحدث أو تبرير الموقف، لكن القيود أطبقت على معصميه، وجُرّ إلى خارج مطعمه الذي طالما استخدمه كسجن خلفي لبنتهما.
المشهد الأخير
مرت الشهور سريعة. المطعم أُغلق بأمر قضائي بعد الكشف عن مخالفات إدارية ومالية جسيمة، وحُكم على كريم بالسجن المشدد في عدة قضايا تتعلق بالاستغلال والتهديد.
في شقة مصر الجديدة، عادت الحياة تتدفق تدريجيًا. مريم استردت مكتب التصميم الخاص بها، وبدأت ترمم ما هدمه الخوف بداخلها، بينما كانت سعاد تجلس بجانبها، تحتسيان الشاي ككل جمعة، وكأن الزمن استعاد توازنه العادل.
نظرت مريم لأمها وقالت بابتسامة صافيه، لأول مرة تلمع في عينيها من سنين:
— "تصدقي يا ماما؟ كنت فاكرة إني ضعيفة ومش هعرف أقف على رجلي تاني لوحدي."
ابتسمت سعاد وهي تربت على كف ابنتها بحنان، وقالت بصوت دافئ:
— "البنت اللي تبني مكتبها من الصفر، وتقدر تخرج من جحيم زي ده... عمرها ما كانت ضعيفة يا مريم. إنتِ بس كنتِ ناسيه قوتك."