امي جات

لمحة نيوز

لكن اللي تحتها كان أسوأ:

«الشقة دي في الآخر هتكون لولادي. والأحسن كل واحد يعرف مقامه من دلوقتي.»

وقفت ثواني وأنا ببص للورقة.

ما صرختش.

ما اتخانقتش.

وما كلمتش أحمد حتى.

بس طلعت موبايلي، وصورت الورقتين واحدة واحدة، وبعتهم لنفسي وخبيت الصور.

لأن الحاجة فاطمة ما كانتش تعرف حاجة مهمة جدًا.

حاجة لو كانت عرفتها من بدري، كانت هتفكر ألف مرة قبل ما تعمل اللي عملته.

أنا وأحمد كنا بقالنا شهرين بنجهز نبيع الشقة.

المشتري كان موجود بالفعل.

وكنا أخدنا منه العربون.

وقبلها بـ3 أيام بس، كنا مضينا عقد شقة جديدة عند المحامي، والشقة القديمة خلاص داخلة على إجراءات البيع النهائية.

يعني حماتي كانت بتعلن إن «الشقة هتكون لولادها»...

وهي أصلًا ما تعرفش إننا بعناها.

لكنها ما كانتش تعرف كمان إن اللي حصل بعد ما اكتشفت الحقيقة...

كان أكبر بكتير من مجرد خناقة عائلية.

ولما عرفت إن البيت اللي كانت بتتعامل معاه كأنه ملكها بقى لناس تانية...

رد فعلها خلّى كل اللي في البيت يسكت.

​وقفت في وسط الصالة، ساكتة تمامًا. لم أرد الصاع صاعين، ولم ألمس القفل أو السلسلة. تركت كل شيء كما تركته تمامר، وذهبت لأجلس بجانب أمي، مسحت على رأسها، وأحضرت لها كوبًا من الماء الفاتر من المطبخ بعيدًا عن التلاجة المغلقة، ثم اتصلت بأحمد فورًا.

​—أحمد، سيب الشغل حالًا وتعال. الموضوع مش يستحمل تأخير.

​بعد نصف ساعة، فتح أحمد الباب ودخل وجهه يخفي قلقًا شديدًا. بمجرد أن رأى السلسلة الحديدية على الثلاجة والورقة المعلقة، انحنى وجهه خجلًا وغضبًا.

​—إيه ده؟! أمي عملت إيه؟!

​لم أصرخ، ولم ألقِ باللوم عليه. فتحت هاتفي بهدوء، وأريته صور الأوراق، ثم نظرت في عينيه مباشرة وقالت بصوت هادئ ولكنه حازم:

​—أنا استحملت كتير يا أحمد عشانك وعشان العشرة، لكن أمك تجاوزت كل الحدود. دي أمي اللي باعت أرضها عشان نكتب مقدم الشقة دي زمان، تيجي تتهان وتتقفل عليها التلاجة والكهربا في عز الحر؟! لكن الأهم من ده كله... الورقة اللي بتقول فيها إن الشقة هتكون لولادها... نسيت إننا أصلاً بعناها من 3 أيام، وكتبنا عقد الشقة الجديدة، والمشتري الجديد هيستلم الشقة دي يوم الخميس الجاي!

​وقع الخبر على أحمد كالصاعقة. اتسعت عيناه غير مصدق:

​—بعتوها؟! من ورايا؟ قصدي... مش من ورايا، بس أنا كنت عارف إننا بندور، مكنتش أعرف إن الأمور خلصت بالسرعة دي!

​—خلصت يا أحمد، والعربون اندفع، وكل الأوراق خلصت عند المحامي. أمك باعت شقتها القديمة ووجت قعدت هنا على أساس إنها قاعدة في "مُلْك ابنها" اللي هيرميني أنا وأمي، ومش عاملة حساب إن الأرض تتقلب تحت رجليها.

​في تلك اللحظة، فتح باب الشقة ودخلت الحاجة فاطمة بصحبة ابنها الأصغر كريم، وكانت تحرك رأسها بغرور وهي تقول:

​—أخيرًا جيتوا. عشان تعرفوا بس إن البيت ده ليه حرمة، واليومين بتوع الضيوف دول خلصوا. الست الوالدة تشيل شنطتها وتشوف هتروح فين، البلد واضحة ومفتوحة لها!

​وقفتُ من مكاني، وأخذت يد أمي بلطف، ووقف أحمد وسط الصالة ينظر إلى أمه نظرة لم ترها من قبل؛ نظرة مزيج بين الخيبة والخذلان.

​تقدم أحمد بخطوات بطيئة وقال بصوت جاف:

​—أمّي... انتي فاكرة الشقة دي بتاعت مين؟

​رفعت الحاجة فاطمة حاجبيها باستنكار:

​—بتاعت مين يعني؟ بتاعت ابني وعرقه! وأنا حرة أعمل فيها اللي أنا عايزاه!

​أخرج أحمد من جيبه عقد البيع الجديد والورقة الرسمية، ورماها على الطاولة أمامها وقال ببرود:

​—الشقة دي مباعتِش بتاعتي من أسبوعين. المشتري الجديد دفع الفلوس كاملة، ويوم الخميس الجاي ده المفروض نسلم المفتاح. وإحنا خلاص نقلنا حاجتنا الأساسية للشقة الجديدة في التجمع. إحنا كنا سايبينك هنا عشان ترتاحي وتكوني وسطنا، لحد ما نظبط نقل باقي العفش... لكن للأسف، إنتي اخترتي تطردي أم مراتي وتذليها في بيتي اللي «أصلاً مبقاش ملكي!».

​سكتت الحاجة فاطمة تمامًا. تهكم وجهها، وانتقلت عيناها بين أحمد وبين أوراق البيع الملقاة على الطاولة، ثم التفتت إلى ابنها الأصغر كريم وقالت بنبرة مرتجفة:

​—إيه الكلام الفارغ ده؟! إزاي تبيعوا من غير ما تقولوا لي؟! أنا أروح فين؟! شقتي القديمة أنا بعتها وضيعت فلوسها!

​تدخل كريم بوجه مصدوم:

​—يا ماما، إنتِ بعتي شقتك وجيتي قعدتي هنا بمزاجك من غير ما تشاورينا في بيعها، ودلوقتي جايين تكتشفوا إن الشقة دي اتبيعت كمان؟! أمال إحنا رايحين نقعد فين بقى؟! شقتي أنا أوضتين وصغيرة ومش هتستحمل!

​نظرت إليّ الحاجة فاطمة نظرة أخيرة، نظرة انكسار تامة، وسقط الغرور الذي كانت تعيش فيه في ثوانٍ معدودة. تمنت لو أنها لم تقفل التلاجة، ولم تفصل الكهربا، ولم تكتب تلك الكلمات القاسية التي عادت لتضرب وجهها أضعافًا مضاعفة.

​أخذتُ أمي بيدي، وابتسمت لها بهدوء:

​—يلا يا ماما، بيتنا الجديد جاهز، وهناك فيه تلاجة مفتوحة، ونور منور، وناس تحترمك وتقدرك صح.

​لم تلتفت أمي للوراء، وخرجنا من الشقة برأس مرفوعة. وفي الخلف، تركتُ الحاجة فاطمة جالسة على الكنبة تبكي حظها، تدرك للمرة الأولى أن قسوة القلوب لا تهدم بيوت الآخرين فحسب، بل تهدم البيت الذي يستندون إليه تمامًا.

تم نسخ الرابط