الست اللي ظهرت عند قبر أمي
مريم هزت راسها، ودموعها نزلت بصمت.
—أيوه. أنا أمك. وبعد ما اتولدت بشهر واحد… نوال اختفت بيك.
آدم رجع خطوة لورا.
—مستحيل.
مريم فتحت شنطتها بإيد مرتعشة، وطلعت صورة قديمة جدًا.
في الصورة كانت بنت صغيرة، مرهقة، نايمة على سرير مستشفى، وشايلة طفل حديث الولادة ملفوف في بطانية بيضا.
وجنبها كانت واقفة نوال… أصغر بكتير من شكلها اللي آدم فاكره.
وكانت بتبتسم للكاميرا.
آدم مسك الصورة بإيد بتترعش.
—الصورة دي… إيه حكايتها؟
مريم بصت له، وقالت:
—دي بداية كل اللي حصل.
آدم رفع عينه ليها.
لكن مريم قالت جملة خلت كل ذكرياته عن أمه تتقلب قدام عينه.
—نوال ما أنقذتكش من حد يا آدم… هي اتدفعلها فلوس عشان تخطفك.
آدم اتجمد.
—إيه؟
—والأخطر من كده… إنها بعدين غدرت بالناس اللي كانوا مشغلينها.
آدم بص من الشباك لقبر نوال اللي كان باين بالعافية وسط المطر.
وفجأة، كل حاجة عاشها معاها بقت محل شك.
ليه كانت بتخاف من المستشفيات؟
ليه كانت دايمًا بتغير سكنهم؟
ليه عمرها ما قالت له اسم أبوه؟
وليه كانت بتخاف كل ما حد يسألها عن أوراقه؟
حط آدم الصورة على الترابيزة، وبص لمريم وهو بالكاد قادر يتكلم.
—إنتِ عارفة مين خطفني؟ وليه؟
مريم سكتت لحظات.
وبعدين قالت:
—أعرف… بس قبل ما أقولك، لازم تعرف الحقيقة التانية.
آدم قرب منها.
—حقيقة إيه؟
مريم بصت ناحية الباب، كأنها خايفة حد يكون بيسمعهم.
وقالت بصوت واطي:
—الناس اللي أخدوك زمان… لسه بيدوروا عليك لحد النهارده.
وفي اللحظة دي، صوت خبطة قوية جت من بره أوضة الحارس.
آدم ومريم بصوا لبعض.
والمطر كان لسه بينزل بجنون…
الصوت بره مكنش صوت مطر.
كانت خبطة جزمة عسكرية ثقيلة على باب الأوضة الخشبى المتهالك، تلتها نبرة صوت جافة ومستبدة بتنادي:
—يا عم حسن! افتح الباب… معاك حد جوه؟
آدم حس بدمه بيغلي. بص لمريم اللي وشها اتقلب للون الجص، وعنيها اتملكتها رعب مش معتاد. همست بصوت ميّت:
—جه.. جم ورايا.
—مين دول؟ —سأل آدم وهو بيمسك جردل البويرة كأنه سلاح.
—ناس مابيرحموش يا آدم.. ناس دفعوا لنوال زمان عشان تشيلك من حضني، ولما نوال طمعت وسابت البلد وهربت بيك، فضلوا سنين بيدوروا عليها.. ولما ماتت، بقوا بيراقبوني أنا عشان يوصلولك!
قبل ما آدم يرمش، الباب اتفتح بعنف. الهواء الساقع دخل مع ومضة برق نورت الأوضة كأنها فلاش كاميرا.
وقف في الإطار راجل طويل، لابس بدلة سُودا غالية تئن تحت المطر، وفوقها بالطو طويل. شعره الأبيض مترتب بعناية، وفي عينيه نظرة باردة تخترق الروح. وورا critères شخص تاني ضخم البنية مغطي وحهه بكمامة سودا.
الراجل بص لآدم، وبسرعة مرر نظره على ملامحه، وابتسم ابتسامة صفرا ومخيفة.
—أخيرًا.. العصفور اللي هرب من القفص من عشرين سنة. ما شاء الله، بقيت شاب يا حسام.. مش آدم.
آدم وقف قدام مريم بحسم، وجرّب يمسك نفسه وسط رعشة جسمه:
—ابعد عنه.. وعنها! أمي ماتت، والست دي أمي الحقيقية!
الراجل ضحك ضحكة قاسية رنت في الأوضة الضيقة.
—أمك؟ نوال؟ هه! الحرامية الطماعة اللي باعت ضميرها عشان شوية ورق؟ هي مفكرتش غير في نفسها، وسرقتك من عيلة كاملة كان ممكن تديك الملايين.. بس أهو، الموت خدها، وجا الدور عليك عشان ترجع للمكان اللي اتولدت فيه غصب عن الكل.
مريم صرخت وهي بتشد في هدوم آدم:
—لا يا آدم! أوعى تروح معاه! دول.. دول اللي قتلوا..
الراجل قطع كلامها بقرصة صوت حادة:
—اخرسي يا مريم الهانم! إنتِ لعبتي دورك زمان، ومفيش داعي تمثلي دور الضحية دلوقتي. الواد ده بتاعنا، وورثه وحياته ملك لعيلة المنسي.
عم حسن حارس المدافن طلع من المطبخ الصغير جوه الأوضة مرعوب، وماسك في إيده عود خشب، بس الراجل الضخم طلّع من جيبه مسدس بصوت معدني بارد، ووجهه ناحية عم حسن اللي رمى الخشب وهو بيرتجف.
آدم حس إن الأرض بتمور بيه. كل حاجة كانت كدبة. نوال.. الهروب.. الخوف الدائم.. الفقرا اللي عاش معاهم.. حتي اسمه.
بس وهو بيبص للمسدس، وبيبص لمريم اللي بتترعش، وبصورة طفولته اللي في إيده.. أدرك حاجة واحدة: لو استسلم دلوقتي، قصته هتخلص زي ما بدأت، في السر والظلام.
عقد آدم حواجبه، ونظرة الغضب والتمرد اللي ورثها عن عيلته الحقيقية –أو يمكن عن شراسة نوال اللى ربيته– ظهرت في عينيه.
—عشرين سنة وأنا عايش في الشارع.. مش خايف أموت دلوقتي.
الراجل كشر، ورفع إيده للراجل الضخم:
—هاتوه.. بس من غير ما تشوهوا وشّه، الباشا الكبير عايز يشوفه سليم.
الراجل الضخم خطف خطوتين لقدام، ومد إيده عشان يمسك كتف آدم.
في اللحظة دي بالضبط، آدم بدل ما يتحرك لورا، هجم بقوة وبكل عزم السنين الصعبة اللي عاشها، ونزل بالجردل المليان بوية سودة وميه طينية على وش الراجل الضخم مباشرة!
الراجل صرخ وفقد توازنه، ووقع على الترابيزة اللي اتكسرت نصين وسط صوت اصطدام مرعب.
—اجري يا مريم! —صرخ آدم وهو بيمسك إيد أمه البيولوجية وسط صدمتها، ويشدها ناحية الباب الخلفي للأوضة اللي بيطلع على المقابر القديمة وسط المطر الغزير والبرق المرعب.
وطلعوا الاتنين يجروا وسط ظلام المدافن، والمطر بيغسل ووشوشهم، بينما صوت الراجل الغني بيتردد وراهم بغضب أعمى:
—هاتوووه! حاصروا المكل اللوكل.. مفيش خروج من هنا!
القصة قفلت بابها على مطاردة مرعبة في قلب المطر والضباب، وآدم بيبتدي رحلة جديدة.. مش عشان يعرف هو مين، بس عشان يقرر هيواجه مصيره ولّا هيهرب منه للأبد.