الست اللي ظهرت عند قبر أمي

لمحة نيوز

الست اللي ظهرت عند قبر أمي

—الست دي مش أمك يا ابني… دي خطفتك وإنت لسه عندك شهر.

الكلام وقع على ودان آدم كأنه صاعقة.

كان عنده عشرين سنة، ومش لاقي مكان ثابت يبات فيه. في عصر يوم من أيام أكتوبر، كان رايح مدافن البساتين، شايل جردل بوية سودة وفرشة قديمة كان عم حسن، حارس المدافن، مديهاله.

كل سنة كان بيرجع ينضف قبر نوال، الست الوحيدة اللي عمره ما عرف أم غيرها.

نوال ماتت من تمن سنين، وهو كان وقتها عنده 12 سنة. ماتت بعد شهور طويلة من الكحة والسخونية، من غير ما تقدر تتعالج كويس، لأنهم طول عمرهم كانوا عايشين من شقة لشقة، ونوال كانت بتتهرب من المستشفيات والورق والمصالح الحكومية.

كان آدم بينضف الصدأ اللي ماسك في سور القبر، لما سمع صوت عياط جامد وراه.

لف بسرعة.

لقى ست شيك، شكلها في أواخر الأربعينات، لابسة بالطو كحلي وجزمة غالية غرقت في الطين، ووشها مليان دموع وهي واقفة قدام قبر نوال.

قال لها ببرود:

—لو حضرتك جاية على حد مدفون جديد، المدافن الجديدة من الناحية التانية.

الست هزت راسها.

—أنا جاية عشانها هي.

آدم وقف وعدّل وقفته.

—تعرفيها؟

مسكت المنديل في إيدها جامد، وقالت بصوت مخنوق:

—أعرفها أكتر مما تتخيل.

وبعدين بصت للقبر وقالت:

—الست دي دمّرت حياتي.

آدم اتعصب فورًا.

—خلي بالك من كلامك. أمي دي كانت بتشتغل ليل نهار عشاني. كانت ممكن تنام من غير أكل عشان تأكلني.

الست بصت له فجأة بنظرة غريبة.

فضلت تدقق في عينيه، وبعدين مناخيره، وفكه… وكأنها بتحاول تتأكد من حاجة مستحيل تكون حقيقية.

وفجأة وشها شحب.

—يا إلهي…

آدم قطّب حواجبه.

—في إيه؟

الست قربت منه خطوة.

—إنت شبه حسام بشكل يخوف.

آدم عقد حاجبيه أكتر.

—مين حسام؟

الست قربت خطوة تانية.

—إنت اسمك آدم؟

اتشد آدم في مكانه.

—وإنتِ مالك؟

الست دموعها نزلت أكتر.

—عشان أنا اللي اخترتلك الاسم ده يوم ما اتولدت.

آدم ضحك ضحكة قصيرة مليانة عصبية.

—إنتِ شكلك مش طبيعية.

لكن الست ما ردتش.

فجأة رجليها خانتها ووقعت على الأرض وسط ورق الشجر المبلول.

عم حسن جري عليها، وساعد آدم يشيلها لحد أوضة الحارس.

وبره، السما اتقلبت.

المطر نزل بغزارة، والبرق كان بينور المدافن كل شوية.

جوا الأوضة، فاحت ريحة قهوة بايتة وخشب مبلول.

بعد شوية، الست فتحت عينيها.

أول ما شافت آدم، فضلت باصة له كأنها قدام حلم كانت مستنياه بقاله سنين.

—اسمي مريم عبد الرحمن.

آدم سكت.

—وبقالي عشرين سنة بدور عليك.

آدم خبط بإيده على الترابيزة.

—أمي مدفونة بره!

مريم بلعت ريقها وقالت:

—أنا عارفة… ونوال حبتك، وأنا مش جاية أنكر ده. بس هي ما كانتش أمك البيولوجية.

آدم حس إن الدنيا بتلف بيه.

—يعني إيه؟

—يعني إنها ما ولدتكش.

—إنتِ بتقولي إيه؟

مريم بصت في عينيه وقالت:

—نوال كانت ما بتخلفش من وهي صغيرة. لكن أنا… أنا اللي ولدتك.

آدم حس إن نفسه اتقطع.

—إنتِ… أمي؟

تم نسخ الرابط