بنتها خبطت
بنتها خبطت على بابها الساعة واحدة بالليل وهي مصابة…
وجوزها المليونير نسي إن حماتها كانت ضابطة مباحث قتل
الساعة واحدة بعد نص الليل، جرس شقة نادية الشناوي رنّ بطريقة تخض.
تلات خبطات ورا بعض، كأن اللي برّه بيخبط بإيده الأخيرة.
سكتة قصيرة.
وبعدين تلات خبطات تاني.
نادية فتحت عينيها في لحظتها.
بعد 28 سنة قضتهم في مباحث الجنايات، ماكانتش محتاجة حتى تبص في الساعة عشان تفهم إن اللي ورا الباب مش جاي يطلب كوباية سكر.
الخوف ليه خبطته الخاصة على الأبواب.
نادية قامت وفتحت.
أول حاجة دخلت كانت لسعة الهوا والشتا.
وبعدها شافت بنتها.
ملك كانت واقفة حافية على الأرض المبلولة، شفايفها متقطعة، عينها وارمة، ووشها مليان كدمات غامقة. البلوزة اللي لابساها كانت متقطعة ومبلولة لازقة في جسمها، وجسمها كله بيرتعش لدرجة إنها كانت بالعافية واقفة على رجليها.
قالت بصوت متقطع:
— ماما… والنبي ما تخليهوش ياخدني تاني.
نادية ما سألتهاش مين.
هي كانت عارفة.
ملك عندها 27 سنة، ومتجوزة بقالها 3 سنين من ياسين العشماوي، ابن عيلة من أغنى وأقوى عائلات رجال الأعمال في القاهرة.
قدام الناس، ياسين كان الراجل المثالي.
بيتبرع بمبالغ ضخمة.
صورته دايمًا في الجرائد والمجلات.
وبيطلع في حفلات خيرية ويمسك شيكات قدام الكاميرات، خصوصًا في المبادرات اللي بتساعد الستات اللي اتعرضوا للعنف.
لكن جوه البيت…
ملك اتعلمت إزاي تخبي الخوف تحت طبقات الميكب.
نادية حضنت بنتها وحاولت تدخلها لجوه، لكن في اللحظة دي نور عربيات قوي غرق الشارع كله.
عربية دفع رباعي سودا طلعت نصها على الرصيف، وفرملت قدام البيت.
باب العربية اتفتح.
ياسين نزل.
لابس بدلته الأنيقة، وشعره متظبط، وكأنه راجع من اجتماع مهم، مش خارج من بيت كان من شوية فيه مراته بتتهان وتتضرب.
بص لملك وقال ببرود:
— ملك، اركبي العربية. إنتِ تعبانة ومحتاجة تهدي. واضح إن جالك انهيار تاني. نرجع البيت ونحل الموضوع.
ملك استخبت ورا أمها.
نادية طلعت خطوة لقدام، وقفلت الباب نص قفلة وراها.
— إياك تقرب منها.
ياسين ضحك ضحكة باردة.
— يا مدام، حضرتك مالكيش دعوة. دي مراتي وأنا أدرى بيها. هي مش في حالتها الطبيعية، وأنا عندي دكاترة ومحامين واللي يثبت إنها محتاجة تتعالج.
نادية بصت له من فوق لتحت.
— وأنا عندي عينين.
ابتسامته اختفت.
— حضرتك خلاص طلعتي معاش. يعني الموضوع مش بتاعك. إنتِ مش هتقدري تعملي حاجة.
نادية فضلت باصة له بنفس الهدوء اللي كانت بتواجه بيه أخطر المجرمين طول سنين شغلها.
— وإنت واقف دلوقتي قدام بيت واحدة عارفة كويس جدًا إزاي توثق تهديد… وإزاي تخلي التوثيق ده يوصلك للي تستحقه.
وش ياسين اتشد.
— أنا ليا ناس في الشرطة. وليا ناس في النيابة والمحاكم. ولو حضرتك مصممة تعملي فيها بطلة، براحتك. بس لما الموضوع يخلص، هتلاقي حتى معاشك اتعطل.
نادية ما ردتش.
طلعت موبايلها.
فتحت الكاميرا.
ووجهتها عليه.
وبدأت تصور.
مجرد حركة بسيطة منها كانت كفاية.
ياسين سكت.
رجع خطوة ناحية العربية، لكن قبل ما يركب، بص لملك وقال:
— أنا هرجع آخدك.
وبعدين ركب واختفى وسط المطر.
نادية قفلت الباب وراها، وقفلت كل الأقفال بنفسها.
ملك أول ما سمعت صوت المفتاح، رجليها خانتها.
وقعت على الأرض عند مدخل الشقة.
نفسها كان طالع بالعافية، وشهقاتها متقطعة.
نادية نزلت على ركبتها جنبها.
في اللحظة دي ماكانتش ضابطة مباحث.
كانت أم شايفة بنتها مكسورة قدامها.
لكن عينيها كانت بتشتغل لوحدها.
الشفايف المجروحة.
العين المتورمة.
الكدمات.
الهدوم المقطعة.
والتهديد اللي اتسجل بالصوت والصورة.
كل تفصيلة لازم تتوثق.
كل حاجة لازم تفضل موجودة لما الليلة دي تخلص.
وفجأة، ملك عملت حاجة نادية ما توقعتهاش.
مدت إيدها جوه بطانة التيشيرت الرياضي اللي لابساه، وطلعت فلاشة معدنية صغيرة.
حطتها في إيد أمها.
— أنا ما هربتش بس يا ماما…
نادية بصت لها.
ملك بلعت ريقها وقالت:
— استنيت لما هو ينام… وفتحت الخزنة وخدت دي.
نادية مسكت الفلاشة.
— فيها إيه؟
ملك بصت ناحية الباب كأنها خايفة يكون سامعهم.
— شركات وهمية… رشاوي… فلوس متحولة من مشاريع حكومية… حسابات برّه البلد…
وسكتت ثواني.
وبعدين قالت بصوت أوطى:
— وفي تحويلات من جمعية هو عاملها لمساعدة الستات اللي بتتعرض للعنف.
نادية حسّت إن الجو كله اتغير.
الموضوع ما بقاش مجرد راجل بيضرب مراته.
ياسين كان راجل وراه شبكة حماية.
نادية بصت للفلاشة في إيدها.
وبعدين لبنتها.
في اللحظة دي، النور رمش مرة.
وبعدين مرة تانية.
وفجأة…
البيت كله غرق في الضلمة.
ملك شهقت.
الصمت سيطر على المكان، وماكانش مسموع غير صوت المطر وهو بيخبط في الشبابيك، وأنفاس ملك المرتعشة.
نادية قامت بهدوء ومشيت ناحية الشباك.
رفعت طرف الستارة سنة صغيرة.
بصت على سور البيت الخلفي.
اتنين واقفين هناك.
ضلالهم باينة وسط المطر.
ساكتين.
مستنيين.
نادية فهمت فورًا.
ياسين ما مشيش.
هو قطع الكهربا.
وساب رجالة تراقب البيت.
نادية بصت للفلاشة مرة تانية.
وبعدين بصت لوش بنتها المليان كدمات.
الموضوع ما بقاش بس إنها تمنع ياسين ياخد ملك.