حماتي حبستني
— يا مريم؟
مفيش رد.
نادت تاني:
— مريم! إنتِ كويسة؟
سمعت صوت خافت من جوه.
— أنا هنا!
قلب أم محمود وقع.
بصت على القفل.
وبعدين بصت حوالين المكان.
طلعت موبايلها واتصلت بالنجدة.
— ألو؟ عايزة أبلغ عن حالة طارئة… في واحدة حامل في التاسع محبوسة بقفل جوه أوضة بخار، وأهل البيت سابوها ومشوا.
جوا الأوضة…
مريم كانت بتحاول تاخد نفسها.
وانقباضة تانية بدأت.
أقوى من الأولى.
وفي اللحظة دي، موبايلها اهتز.
الرسالة وصلت لأبوها.
لكن مريم ما كانتش تعرف إن الرسالة دي، في خلال ساعات قليلة، هتخلي الشرطة تفتح باب مش بس الأوضة…
لكن تفتح سر قديم مدفون جوه عيلة الشناوي من سنين.
وفي نفس الوقت، حماتها كانت باعتة لكريم:
"مراتك راحت عند أبوها كام يوم. سيبها تهدى، دي محتاجة تفكر."
كريم رد بكل برود:
"أحسن… يمكن ترتاح ونرتاح."
مريم كانت مستنية جوزها ينقذها.
لكنها ما كانتش تعرف…
إنه صدّق كذبة أمه من غير حتى ما يكلف نفسه يتصل بيها.
والأسوأ من كده…
إن أبوها، أول ما شاف كلمة "ياسمينة"، قام من مكانه فورًا.
لأنه كان عارف بالضبط معنى الكلمة.
وعارف إن بنته عمرها ما هتبعتهاله…
إلا لو حياتها في خطر.
واللي حصل بعدها…
كان كفيل يقلب حياة العيلة كلها رأسًا على عقب.
الكلمة الواحدة اللي بعتها اللواء إسماعيل لنفسه مش مجرد رسالة، دي كانت كلمة السر اللي اتفق عليها مع بنته من سنين: "ياسمينة". الاسم ده ما كانش عشوائي؛ ده اسم شجرة الياسمين القديمة اللي كانت في بيتهم القديم، واليوم اللي خطر على بالها تكتبه، معناه إنها بتواجه موت حقيقي ومش قادرة تتكلم.
إسماعيل، بخبرته القديمة في الإسعاف الطوارئ والعمليات، ما استناش ثانية واحدة. أخد عربيته واتحرك فوراً على بيت الشناوي في الفيوم، وفي نفس الوقت كان تواصل مع جهات أمنية صديقة ليه في المديرية هناك.
وصول الطوارئ وانكشاف الكارثة
في بيت الشناوي، وصلت عربية النجدة والإسعاف في نفس الدقيقة تقريباً اللي وصل فيها اللواء إسماعيل.
أم محمود كانت واقفة بره بتشاور للشرطة على الجنينة. الضابط المسؤول بص للقفل الحديد، وبأمر مباشر من إسماعيل اللي وصل وهو في حالة غضب عارم، اتقطع القفل بالقوة واتفتح باب أوضة البخار.
دخل موجة من الهواء البارد على جو الأوضة المكتوم والساخن.
مريم كانت ساقطة على الأرض، فاقدة الوعي تقريباً، وبطنتها بتشير لإن الولادة بدأت مبكراً جداً وبشكل خطير بسبب الصدمة والحرارة.
إسماعيل جرى عليها ودموعه في عيونه:
— مريم! أبوكي جاب حقك يا حبيبتي... فوقي!
رجال الإسعاف اتحركوا بسرعة البرق، ونقلوها لعربية الإسعاف وهي بتصرخ من الألم، وإسماعيل ركب معاها، بينما الضابط طلب التحفظ على البيت وعلى الجيران كشهود، وطلب استدعاء الحاج عبدالرحمن والحاجة فوزية فوراً، وكمان جوزها كريم.
المفاجأة الكبرى في المستشفى
في مستشفى الفيوم العام، دخلت مريم غرف العمليات فوراً. الدكتور اللي خرج بعد ساعة وشوية كان وبخه واضح:
— إنتوا كنتوا عايزين تقتلوا البنت والجنين! الولادة حصلت مبكر وبصعوبة بالغة، ولولا إنها اتلحقت في آخر ثانية، كان حصلت كارثة في المخ والجنين كان اتعرض لنقص أكسفورد تام. بس الحمد لله، الأم والطفل بقوا أحياء، وجابت ولد زي القمر.
إسماعيل كان قاعد قدام العمليات، عيونه كلها شرار. الكأس كمل لما عربية الشرطة جابت الحاج عبدالرحمن والحاجة فوزية من على الطريق بعد ما اتصلوا بيه وبلغوه باللي حصل، وقالوله بالحرف: "تعال حالا، بنتك كانت هتموت جوه بيتك."
فوزية دخلت المستشفى وهي بترفع مناخيرها ومفكورة إنها هتقلب الترابيزة كالعادة:
— إيه الهيصة دي؟ هو إحنا عملنا إيه؟ دي واحدة قليلة الأدب وكنا بنربيها!
هنا، جه صوت اللواء إسماعيل جاد وقوي زي الرعد، وخلا الكل يتجمد مكانه:
— تربوها؟! أنتوا كنتوا بتدفنوها حية يا ولاد الكلب!
لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش في الجريمة دي وبس... دي كانت في السر اللي الشرطة كشفته صدفة لما دخلوا يفتشوا أوضة البخار والبيت بطلب من النيابة للتحقيق في الشروع في القتل.
السر الدفين تحت الأرض
الضابط المسؤول دخل مكتب إسماعيل في المستشفى ومعاه ملف قديم ومستندات لاقاها في صندوق معدني جوه دولاب عبدالرحمن القديم في البيت.
— يا سي اللواء... الحكاية أكبر بكتير من مجرد حمى شريرة بتعذب ضرتها أو مرآة ابنها. البيت ده وراه قضية تانية خالص.
إسماعيل بص له باستغراب:
— قضية إيه؟
الضابط فتح الملف:
— لما دخلنا نِفتش البيت، الكلب المارشال بتاع المفرقعات والبحث الجنائي شم ريحة في أرضية أوضة البخار نفسها. حفرنا جزء صغير تحت خشب الأوضة... لقينا صندوق مقفول فيه عقود ملكية لأراضي وأموال بملايين، مسجلة بأسامي ناس تانية من زمان، وكمان مستندات بتثبت إن الحاج عبدالرحمن مش تقاعد عادي من الدفاع المدني... ده كان متورط في قضية اختفاء أموال ومستندات تخص هيئة حكومية كبرى من 25 سنة، والناس اللي كانت مالكة الأراضي دي اتصفوا في ظروف غامضة، وهو استولى على كل حاجة وهرب للفيوم وبنى البيت ده!
وعشان السر ده يفضل متداري، عبدالرحمن وفوزية كانوا دايماً بيختاروا عرائس لابنهم كريم تكون مقطوعة من شجرة أو أهلها بعيد، عشان لو حد اعترض أو حس بحاجة، يقدروا يرهبوه أو يخفوه وسط عزلتيّة المكان! ومريم كانت قربت تكتشف بالصدفة ورق يخص العقود دي وهي بتنظف المكتب من كم يوم، وده كان السبب الحقيقي وراء رغبة فوزية الملحة في "تأديبها" بالطريقة دي عشان تسكت خالص أو تفقد عزيمتها.
النهاية المغلقة والملحمية
في نفس اللحظة دي، دخل كريم المستشفى، وهو مرعوب ومش فاهم حاجة، وشاف الشرطة بتقبض على أبوه وأمه، ومراته لسه طالعة من العمليات شايخة ابنها، وأبوها اللواء إسماعيل واقف بيطالعهم بنظرة حارقة.
ك كريم جرى على مراته:
— مريم... أنا والله ما كنت أعرف... أُمي قالتلي...
مريم بصت له ببرود تام، وراحت عاطية ظهرها له، وقالت بصوت ضعيف بس قاطع:
— أُمك ربتك على الكذب، وإنت اخترت تصدق الكدب على حساب روح مرتك وابنك... ورقتنا هتوصلك وأنا في حماية أبوي.
الشرطة كلبشت عبدالرحمن وفوزية اللي سقطوا على الأرض في حالة انهيار تام، بعد ما ضاع كل اللي بنوه على الدم والكذب في لحظة واحدة.
بره المستشفى، كانت شجرة الياسمين اللي زرعها إسماعيل في بيته القديم بتُنشر ريحتها في الهواء، وكأنها بتقول إن الحق مهما طال عليه الزمن، لازم يظهر ورسالة "ياسمينة" قدرت تهدم إمبراطورية كذب استمرت سنين طويلة.