رجع قبل ميعاده

لمحة نيوز

أم كريم فضلت تحلف إن نهى هي اللي حبست نفسها عشان تلبسهم قضية، وكانت بتتكلم بثقة غريبة جدًا.

واحد من الظباط وقف مع كريم، والتاني كسر القفل.

أول ما الباب اتفتح...

نهى وقعت على ركبها.

هدومها كانت مقطعة.

وشفايفها ناشفة.

وعلى دراعها علامة حمرا واضحة.

قبل ما كريم يلحق يسندها، حضنت بطنها بإيديها وهمست بصوت متقطع:

"مروان زقني... وأمك كانت عايزة تجبرني أسجل فيديو وأقول فيه إني بكدب..."

وسكتت لحظة...

وبعدين بصتله والدموع في عينيها وقالت:

"أنا... من الصبح... مش حاسة إن البيبي بيتحرك..."

​في لحظة واحدة، تحولت صدمة كريم إلى إعصار غضب أعمى. لم يعد يرى أمامه شيئًا سوى دموع نهى المنهكة، ووجهها الشاحب الذي كان يعكس مدى قسوة الجحيم الذي عاشته طوال فترة غيابه.

​صرخ في وجه الشرطة وهو يشير لأمه وأخيه:

​"قبضوا عليهم... اتفضلوا خدوا الكل!"

​لم تصدق الأم أن ابنها الذي كان يطيعها في كل حرف، ويبرر لها كل خطأ، قد تجرأ ورفع صوته وأمر الشرطة بالقبض عليها. صرخت بجنون وهي تضرب صدرها:

​"بتبيع أمك عشان حتة حرمة؟ ضياع السنين في تربيتك راح فين يا قليل الأصل؟"

​أما مروان، فظهرت عليه علامات الرعب الحقيقي، وحاول الهرب متسللاً نحو باب الشقة، لكن أحد ضباط الشرطة كان أسرع منه، فطرحه أرضًا وكلبشه بالحديد، بينما قيد الضابط الآخر الأم التي استمرت في إطلاق اللعنات والتهديدات.

​في المستشفي الطارئ

​في المستشفى، كانت الأجواء مشحونة بالقلق. نهى كانت داخل غرفة الطوارئ، بينما كريم يقف في الممر، يمشى ذهابًا وإيابًا، يدك بقبضته على الجدران، وتنهداته الحارقة تكاد تخترق صدره. كان يتذكر كل كلمة قالها لها: "استحملي شوية... دي زي مامتي"، وشعر أن الندم ينهش قلبه حيًا.

​بعد ساعات طويلة بدت وكأنها دهور، خرج الطبيب من الغرفة ووجهه متجهم. سارع كريم نحوه بلهفة:

​"دكتور... طمني، نهى والبيبي عاملين إيه؟"

​تنهد الطبيب بعمق وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:

​"مدام نهى تعرضت لهبوط حاد في الدورة الدموية وجفاف شديد نتيجة نقص السوائل لفترة طويلة، بالإضافة إلى صدمة عصبية ونفسية عنيفة. أما بالنسبة للجنين..."

​توقف الطبيب لثوانٍ معدودة، فكاد قلب كريم يتوقف معها، ليكمل الطبيب:

​"الحمد لله، نبض الجنين ضعيف لكنه استقر بعد المحاليل والأكسجين. لقد أنقذتموها في اللحظة الأخيرة، لكنها تحتاج إلى راحة تامة، وممنوع عليها أي انفعال أو رجوع لنفس البيئة نهائيًا خلال فترة الحمل، فالحالة النفسية قد تعرضها للإجهاض في أي لحظة."

​شعر كريم أن جبلًا من على صدره قد انزاح، وسجد على أرض الممر يشكر الله بدموع حارقة.

​مفاجأة قسم الشرطة وتحقيقات النيابة

​في صباح اليوم التالي، كان كريم جالسًا أمام وكيل النيابة في محكمة شبرا، يقدم التقارير الطبية، وتسجيلات كاميرات المراقبة القريبة، وتفريغ محتوى هاتف مروان الذي كشف المفاجأة الكبرى التي لم تكن في الحسبان.

​لم تكن قصة حبس نهى مجرد خلاف عائلي على طهي الطعام كما زعمت الأم، بل كشف تفريغ المحادثات على هاتف مروان عن مخطط شيطاني خطير.

​اتضح أن مروان كان متورطًا في ديون قمار ورهانات إلكترونية بلغت مئات الآلاف من الجنيهات، وكان يضغط على أمه لسرقة مصاغ نهى وبيعه. وعندما رفضت نهى بشدة وهددت بإبلاغ كريم فور عودته، تشاجر معها ودفعها بقوة لتصطدم رأسها بالحائط وتفقد وعيها المؤقت.

​ولأن الأم كانت تخشى افتضاح أمر ابنها المدلل وضياع هيبتها، اقترحت حبسها في غرفة التخزين على السطح، وتصوير فيديو لها وهي تعتذر وتتنازل عن حقوقها تحت الضغط، لابتزاز كريم لاحقًا والحصول على أموال طائلة منه بحجة السفر أو تسديد ديون وهمية، أو إجبار نهى على التنازل عن شقة الزوجية ومستحقاتها المالية.

​وعندما واجه المحقق الأم بهذه الأدلة الدامغة والتسجيلات الصوتية المتبادلة بينها وبين مروان، انهار قناع الجبروت الذي كانت ارتدته طوال عمرها. جلست على الكرسي تبكي بحرقة، لا ندماً على ما فعلته بنهى، بل حزنًا على نفسها وامتيازاتها التي ضاعت للأبد.

​النهاية المغلقة: حساب الرؤوس الباردة

​صدر قرار النيابة بحبس مروان والأم احتياطيًا على ذمة التحقيقات بتهم الشروع في القتل، والاحتجاز القسري، والابتزاز، والاعتداء على حقوق الغير.

​أما كريم، فباع كل ما يملك في شبرا، وقرر ترك تلك المنطقة بأكملها، ليبدأ صفحة جديدة تمامًا في مدينة أخرى هادئة بعيدة عن سموم الماضي. أجرى شقة واسعة ومريحة لنهى، وقام بكل ما بوسعه ليعوضها عن كل دقيقة خوف ووجع عاشتها.

​وفي ليلة هادئة، بينما كانت نهى نائمة بعمق على السرير، ويدها المستقرة على بطنها تعلن عن حركة جديدة لطفل صغير يعلن قدوم الحياة من جديد، جلس كريم بجانبها، ووضع يده فوق يدها برقة، وهمس بصوت صادق يملؤه الندم والحب:

​"حقك رجع يا نهى... وأقسم بالله، ما هسمح لأي مخلوق كائناً من كان، يقرب ناحيتك تاني طول ما أنا في الدنيا."

​فتحت عينيها بابتسامة دافئة، ووضعت رأسها على كتفه، معلنة بداية حياة حقيقية قامت على أنقاض الماضي، حيث لا مكان للظلم، ولا صوت أعلى من صوت الحق.

تم نسخ الرابط