البنت اللي دخلت الوادي

لمحة نيوز

رفع حاجبه وقال:

"في العادي؟"

تنهدت وقالت:

"النهارده مش في صفي خالص."

المرة دي...

ضحك فعلًا.

ضحكة قصيرة...

لكن خلت ملامحه تبقى أهدى بكتير.

ندى بدأت تبصله كويس.

هدومه بسيطة.

مفيش أي حاجة تدل إنه غني.

لكن...

كان فيه إحساس غريب.

كأن المكان كله عارفه.

العصافير رجعت تزقزق أول ما هدي.

حتى الهوا نفسه بقى أهدى.

مسكت شنطتها وقالت:

"أنا أمشي أحسن... عطلتك كفاية."

وقبل ما تتحرك...

وقفت تاخد نفس طويل بعد الإحراج اللي كانت فيه.

نسمة الهوا شالت ريحتها وعدّت نحية الراجل.

ريحة مطر...

وأعشاب طازة...

وشمس دافية ماسكة في هدوم نضيفة.

في اللحظة دي...

سكت تمامًا.

قلبه دق دقة غريبة.

والجزء اللي جواه كان نايم من سنين...

صحى فجأة.

وصوت غريب همس جواه:

"ما تسيبهاش تمشي..."

ندى اتحركت خطوات سريعة في طريق الرجوع، وقلبها بيدق بسرعة مش طبيعية من الخجل، وفي نفس الوقت من شعور غريب وغامض كأن فيه مغناطيس بيشدها تبص وراها تاني.

لكنها كملت طريقها لحد ما طلعت برا الوادي، ورجعت البيت وهي مش قادرة تطلع الراجل ده من دماغها. ملامحه الهادية، عيونه اللي فيها سر، والصمت اللي حواليه كأنه بيحمي حكاية كاملة.

البداية الجديدة وسط ظلال البلد

تاني يوم، كان كل تركيز ندى منصب على إنها تنهي العشبة اللي لقتها، بس وهي بتنظفها لفت انتباهها حاجة غريبة؛ الكيس الصغير اللي الراجل حطه على الصخرة ما كانش جواه العشبة العادية اللي كانت بتدور عليها... كان جواه "ورقة قديمة" ملفوفة بعناية ومكتوب عليها بخط يدوي أنيق وواضح:

"لو العشبة دي هي اللي هتعالج عطش أرضكم... فاللي جاي محتاج شجاعة أكبر بكتير من مجرد خطوة غلط."

قلبها دق بعنف. الراجل ده ما كانش شخص عابر ولا صدفة. هو كان عارف هي مين وبتدور على إيه بالظبط!

بدأت ندى تسأل بحذر شديد من غير ما تلفت الانتباه؛ راحت للحاج "صالح"، أقدم صياد في البلد، وقعدت جنبه كأنها بتدردش، وسألته بخفة: "هو صحيح يا حاج... الوادي اللي ورا الجبل ده كان فيه حد زمان؟"

الحاج صالح وقعت من إيده كوباية الشاي، وبص حواليه برعب وقال بصوت واطي ومتقطع: "ليه يا بنتي؟ مين تجرأ وسألك عن الوادي ده؟! المكان ده مش مسكون بجن زي ما الناس بتقول يا ندى... المكان ده كان بيت لحارس السر القديم، "سليم". الراجل ده اختفى من عشرين سنة لما البلد قررت تبني سد يقطع ميه الوادي عن الغابة. من يومها، الوادي اتقفل، ومحدش شافه... بس بيقولوا، إن روحه لسه مربوطة بالميه، وإن اللي يشوفه بينزل الميه... حياته بتنقلب تمامًا، يا إما بياخد روحه، يا إما بيعطيه مفتاح السر."

العودة إلى الوادي

الكلمات فضلت ترن في ودن ندى طول الليل. مفتاح السر؟ حارس الوادي القديم؟ إزاي ده يكون عايش وشاب وفي عز شبابه لحد دلوقتي؟!

مع أول ضوء للنهار، لقت نفسها بتشد شنطة القش تاني، وبتمشي نفس الخطوات وسط الغابة، كأن فيه قوة خفية بتسحب رجليها للمكان ده.

وصلت لحافة الوادي... وكان هو هناك. واقف في نفس الميه الصافية، بس المرة دي، كان باصص في الناحية اللي هي بتيجي منها، كأنه كان منتظرها.

ندى وقفت على صخرة عالية، وقالت بصوت ثابت رغم رجفة قلبها: "سليم... صح؟"

الراجل لف ببطء، وابتسامة هادئة ومليان ثقة ظهرت على شفايفه، وقال بصوت عميق مالي المكان: "تأخرتي يا ندى... كنت فاكرك أجبن من إنك تدوري على الحقيقة ورا الحكاية."

"أنا مش جبانة، أنا بس كنت بدور على إجابات، وإنت الوحيد اللي تقدر تديني الإجابات دي."

سليم طلع من الميه بهدوء، قطرات الميه كانت بتلمع على كتفه، وقرب منها خطوة بخطوة لحد ما وقف قصادها مباشرة. ريحة المطر والأعشاب الطازة ملأت الهوا أكتر وأكتر، وفي اللحظة دي، ندى حست بحرارة غريبة طالعة من الأرض تحتهم.

قالها بصوت هادئ وقريب جداً: "البلد دي فاكرة إن الوادي لعنة، بس الحقيقة إن الوادي ده هو 'قلب البلد'. الميه دي هي اللي بتمد الحقول بالحياة، والسر اللي حاميه مش مجرد أسطورة... ده عهد، وعهد الحراسة انتقل للي دخلت مكانه ووعيت بوجوده."

اللحظة الحاسمة والنهاية المغلقة

قبل ما ندى تستوعب معنى كلامه، الأرض اهتزت تحتهم هزة خفيفة، والميه في الترعة اتحولت للون الفضي البراق. سليم مد إيده ليها، كأنه بيعرض عليها اختيارين: يا إما تلف وتهرب وترجع لحياتها العادية اللي كلها قيود وأسرار ناس تانية، يا إما تمسك إيده وتدخل معاه في عالم تاني خالص، عالم بيكشف أسرار الطبيعة والزمن اللي محدش يعرفه.

بصت لإيده... وبعدين بصت لعيونه اللي كانت بتلمع بانعكاس شمس الوادي.

رفعت إيدها، وبكل شجاعة حطتها في إيده.

في اللحظة اللي تلامست فيها إيديهم، الوادي كله لمع بنور قوي كأنه بيرحب بملكة جديدة للمكان، وغيمة خفيفة غطت الوادي لفترة قصيرة جداً...

لما انكشف النور، الوادي كان فاضي تماماً.

مبقاش فيه غير صوت العصافير، وورقة شجر طايرة في الهوا، ومفيش أي أثر لندى... ولا لسليم.

ومن اليوم ده، بقت حكاية البنت اللي دخلت الوادي الممنوع والشاب اللي كان بينزل الميه هي الأسطورة الوحيدة اللي أهل البلد بيبطلوا كلام أول ما سيرة الليل تيجي... بس اللي مكنش حد يعرفه أبداً، إن ندى لقت هناك الحياة الحقيقية اللي كانت بتدور عليها من زمان، وإن الوادي عمره ما كان مرعب... ده كان البداية لكل حاجة.

تم نسخ الرابط