المستشفى قالتلى ابني مات

لمحة نيوز

وزور أوراق موته.

واستنى اليوم اللي أكتب فيه كل أملاكي باسم أخويا.

وفجأة...

مريم شدتني من هدومي.

وقالت بصوت واطي:

"في حاجة كمان كانت جوه الكيس."

فتحت كف إيديها الصغيرة.

كان فيها إسورة مستشفى تانية...

مكسورة بالنص.

عليها اسم...

ياسمين السيد.

لكن رقم المريضة المكتوب تحت الاسم...

ماكانش بتاع مراتي.

كان رقم ست ماتت في نفس المستشفى...

من اتناشر سنة.

ولما قريت اسم عيلتها...

بصيت على كريم.

لقيت وشه اتسحب...

وكأنه نسي ياخد نفسه.

## الجزء الثاني: السر الدفين خلف جدران مستشفى النيل
كان الصوت اللي طلع من إيد مريم أقوى بكتير من صوت إزاز الكوباية اللي كسره كريم.
بصيت للإسورة التانية اللي في إيد الطفلة، وبصيت لكريم اللي بقى وشه أصفر كأن الدم كله اتسحب منه في ثانية واحدة. ياسمين كانت قاعدة مكانها كأنها اتسممت؛ عينيها مفتوحة على آخرها ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة.
حضنت ابني اللي كان بيعيط بضعف شديد، وحسيت إن روحي أنا نفسي رجعتلي مع كل نَفَس بياخده.
"مين دي؟" سألت بصوت واطي ومرجف، بس كان فيه نبرة غضب تخلي الحجر ينطق. "إسورة مين دي يا كريم؟ وإيه اللي جابها مع ابني في نفس الكيس؟"
كريم بلع ريقه بصعوبة بالغة، وحاول يبتسم ابتسامة صفرا مفيش أبعد ما تكون عن العصبية:
"يا أخي... إنت بتقول إيه؟ طفلة صغيرة بتلعب في الزبالة ولا الخدامة مجيباها من الشارع، معقول هتصدق كلام أطفال؟!"
"أطفال؟!" صرخت بصوت هز أركان البيت كله، لدرجة إن كبار العيلة قاموا مفزوعين من على الكراسي. "دي إسورة مستشفى! وباسم ياسمين السيد! ورقم مريضة من اتناشر سنة! مستشفيات إيه اللي بترمى في الزبالة؟ ومستشفيات إيه اللي بتطلع شهادات وفاة لأطفال أحياء؟!"
البيت كله اتحول لساحة تحقيق صامتة. المحامين بصوا لبعض بقلق، وكبار العيلة وقفوا في نص الصالة مش فاهمين حاجة، لحد ما عمي الكبير، وهو راجل كبير في العيلة وله كلمته، قرب مني وحط إيده على كتفي:
"اهدأ يا ابني... فهمنا إيه اللي بيحصل هنا؟ فين ابنك اللي بتقول إنك دفنته؟ وإيه حكاية الورق ده؟"
قبل ما أنطق بكلمة، مريم الصغيرة رفعت راسها وقالت ببراءة شديدة:
"يا عمو... أنا مش لاقيه الكيس ده في الشارع. أنا كنت واقفة ورا عربية المستشفى اللي وقفت قدام سور الجنينة الصبح بدري، ولقيت الراجل بينزل كيس أسود كبير ويحطه جنب الزبالة، فلما مشي، فتحت الكيس عشان قطتي الصغيرة... لقيت البيبي جوه بيني وبينه بيعيط."
الكلام نزل زي الصاعقة.
عربية مستشفى؟! الصبح بدري؟! يعني الولد مكنش مرمي في الزبالة من أيام، ده لسه نازل من عربية تابعة لنفس المستشفى اللي قالتلي إنه مات من تلات أيام!
## الجزء الثالث: رحلة البحث عن الحقيقة في منتصف الليل
مصدرتش أي ورقة من اللي قدام المحامي.
سحبت كل ملفات الورث ورميتها في وش كريم، وطلعت تجري بالعربية ومعايا ابني في حضني، وورايا عمي واثنين من أقاربنا. ما استنيتش لحد الصباح، الساعة كانت اتنين بالليل، ومستشفى النيل التخصصي كانت على بُعد نص ساعة.
طوال الطريق، ابني كان نايم بهدوء غريب، كأنه كان حاسس بالأمان اللي اتحرم منه من أول لحظة شاف فيها النور.
وصلنا المستشفى، وبدل ما أدخل من الباب الرئيسي، دخلت على قسم الطوارئ وورايا الرجالة. الأمن حاول يمنعنا، بس عمي بصوت جبار وقامة مهيبة وقف قدامهم وقال:
"لو حد فتح بوقه بحرف، هقفل المستشفى دي على اللي فيها دلوقتي حالا! هاتوا المدير المسؤول هنا فوراً!"
في أقل من خمس دقايق، كان مدير المستشفى واقف قدامنا، ووشه بيلون ألوان الطيف من الخوف لما شافني ماسك في إيدي ابني اللي المفروض "ميت" ومنزلين شهادة دفنه.
"أ... أهلاً يا فندم... خير؟ إيه الليلة دي؟" قالها وهو بيمسح العرق من جبينه.
طلعت شهادة الوفاة ورميتها على مكتبه، ومعاها الإسورة المكسورة، وقولت بصوت واطي بس كله شراسة:
"الولد ده مات من تلات أيام... صح؟ الدكاترة بتوعكم هم اللي قالوا! إزاي رجعلي النهارده الصبح في كيس زبالة؟ وإيه حكاية الإسورة التانية دي؟ إسورة مين دي يا محترم؟"
المدير بص للإسورة، وفي اللحظة دي، عينيه اتسعت من الصدمة والرعب، وكأنه شاف شبح قدامه. قعد على كرسيه بصعوبة وقال بصوت مسموع بالكاد:
"دي... دي إسورة الدكتورة... دكتورة فريدة."
"مين دكتورة فريدة دي؟" سألت بحدة.
"دكتورة فريدة كانت رئيسة قسم الأطفال هنا... من اتناشر سنة." رد المدير وهو بيترعش. "ماتت في حادثة غامضة جوه المستشفى، وقتها قالوا إنها انتحرت بعد ما حصلت مشكلة كبيرة في السجلات الطبية وأقسام الأطفال حديثي الولادة. ومن ساعتها، الإسورة دي اختفت مع ملفها القديم في الأرشيف السري."
عمي قرب من المدير وسأله بصرامة:
"وملف إيه ده اللي يخلي أخو مراته وعيلته يزوروا وفاة طفل عشان ياخدوا الورث؟ تكلم واخلص، أحسن والله العظيم ما تحلم تشوف الشمس بكره."
المدير انهار، وبدأ يحكي المستخبى اللي محدش كان يتوقعه.
## الجزء الرابع: اعترافات الغرفة الخلفية
أخذنا المدير للأرشيف القديم في البدروم، المكان كان مليان تراب وريحة ورق قديم. وهناك، طلع ملف قديم مترب وعليه علامة سرية.
فتح الملف، وطلع منه ورقة صفرا قديمة، وبص لي وقال:
"يا فندم... الحكاية أكبر بكتير من مجرد ورث. مراتي ياسمين... مش هي اللي انقطعت اخبار أهلها زمان زي ما بتقول. دكتورة فريدة اللي ماتت من اتناشر سنة... تبقى أخت ياسمين الكبيرة."
الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة.
"أختها؟!" قلت بصدمة.
"أيوة." أكد المدير. "قبل اتناشر سنة، دكتورة فريدة اكتشفت شبكة تجارة أطفال داخل المستشفى هنا، وكان على رأسها المدير القديم... وبمساعدة أشخاص تانيين منهم دكاترة كبار وأشخاص من عائلات مشهورة... وكان من ضمن المستفيدين الكبار... أخوك كريم."
قلبي كاد يتوقف. كريم؟!
"دكتورة فريدة حاولت تبلغ السلطات، بس صفتوها في حادثة مدبرة، وقفلوا القضية على إنها انتحار. وسجلات الأطفال اللي اتسرقوا وقتها اتقفلت للأبد. بس فيه ملف سري صغير فضل مخفي، وهو اللي ياسمين وكريم كانوا بيدوروا عليه."
المدير كمل كلامه وبص لابني اللي في حضني:
"ياسمين اتجوزتك مش حب فيك يا فندم... عيلتها وكريم كانوا عارفين تاريخ المستشفى كويس، وعارفين إنك الكاتب الوحيد لكل أملاك العيلة الكبيرة. بس عشان تضمن إنك تكتب كل حاجة لكريم من غير ما يكون ليك وارث يربطك بالدنيا، اتفقوا مع دكتورة الأطفال الحالية في المستشفى إنها تسرق ابنك يوم الولادة، وتديك شهادة وفاة مزورة، ويقولوا لك إن حالته صعبة ومينفعش تشوفه عشان تنساه وتكتب الورث لكريم بكل رضا."
"وليه رجعوه النهارده؟ وليه لقيت ابني في كيس زبالة؟!" سألت وعيني بتشرز شرار.
"عشان الصبح بدري، حصلت تفتيشات مفاجئة من وزارة الصحة على المستشفيات، والدكتورة اللي سرقت ابنك خافت إن الفضيحة تنكشف وتلاقيه في عيادتها أو في حضانات المستشفى، فقررت تتخلص منه أو ترميه في مكان يبعد عنها الشبهات، من غير ما تعرف إن مريم الصغيرة هتشوفه وتسلمه ليك!"
## الجزء الخامس: العدالة التي لا تأتي متأخرة
رجعنا البيت مع الفجر.
البيت كان هادئ بطريقة مخيفة. كريم وياسمين كانوا قاعدين في الصالون، مستنيين النتيجة، وكانوا مفكرين إن المدير خلص على كل حاجة وإن السر فضل مدفون.
لكن أول ما دخلت ومعايا عمي، والشرطة اللي طلبناها في الطريق، وعينيهما نطت من مكانها، عرفوا إن اللعبة انتهت.
الظابط تقدم بخطوات ثابتة، وبص لياسمين وكريم اللي كانوا بيحاولوا يهربوا بس باب البيت كان مقفول برجالة العيلة والشرطة.
"ياسمين السيد... وكريم... مأمور به القبض بتهمة خطف أطفال، وتزوير أوراق رسمية، وتكوين تشكيل عصابي."
ياسمين وقعت على الأرض منهارة، وهي بتصرخ وتعيط وتقول إنها غصب عنها، وإن كريم هددها. وكريم حاول ينكر ويقول دي مؤامرة، بس اعترافات مدير المستشفى ومستندات الأرشيف القديم والإسورة اللي كانت مع ابننا كانت أدلة قاطعة لا تقبل الجدل.
الشرطة خدت الكل، واتحركت العربيات قدام عينينا.
بصيت لعمي اللي حضنني بحنان وقال:
"حمد لله على سلامتك وسلامة ابنك يا ابني. ربنا نجاه عشان يفتح عيونك على ناس مكنش ينفع تئمنهم على لقمة عيشك، فضلاً عن ابنك."
دخلت أوضتي، حطيت ابني على السرير، وقربت منه، لمست خدوده الناعمة لأول مرة، وبوست جبهته بدموع الفرح والامتنان.
من اللحظة دي، مقتش أب مكسور تاني.
بقيت الأب اللي استعاد ابنه من بين أحضان الموت والظلام، وقررت إن اسم ابني مش هيكون مجرد اسم عابر في سجلات المستشفيات، ده هيكون رمز لبداية جديدة، وحياة نظيفة، ورمز للحق اللي مهما طال الليل، مصيره يطلع وينهي كل ظلم.

تم نسخ الرابط