رجعت من شغلي بعد ثلاثة ايام
توكيل مزور بالبصمة استغلوا فيه عجزي الحركي السابق، وهم يعلمون أنني لا أستطيع الرفض. سافروا إلى العين السخنة للاحتفال المسبق بالصفقة، وتركوا لك رسالة الاختبار؛ ليختبروا إن كنت ستشاركهم في إهمالي والتخلص مني، أم ستثبت أنك الشخص الوحيد النزيه في هذه العائلة.
قبل أن يكمل أحمد عبارته، رن هاتفه المحمول؛ كانت رسالة نصية قصيرة من المدير التنفيذي للشركة تخبره أن هناك لجنة من الشركاء الكبار وممثلي القانون وصلوا إلى المقر الرئيسي للشركة في القاهرة لعقد اجتماع طارئ دعت إليه جهة غير معلومة لتعديل الهيكل الإداري.
قال الحاج عبد الحميد بحزم وهو ينهض واقفًا على قدميه لأول مرة منذ سنتين، مستندًا على عصاه الخشبية العريقة
حان وقت العودة إلى النور يا أحمد. ارتدِ بدلتك... المعركة الحقيقية تبدأ الآن، وليس في ساحات الشجار، بل في قاعة مجلس الإدارة.
الجزء الثالث العاصفة في قاعة المجلس
في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى في برج عبد الحميد القابضة تعج بالحركة. جلس حسام والد ياسمين إلى رئيس الطاولة، وبجانبه المستشار المالي كريم، وأمامهما أوراق رسمية ضخمة تحوي عقود الدمج والاستحواذ الجزئي التي ستنقل 51 من أسهم الشركة لصالحهم.
قال حسام بثقة مزيفة وهو يعدل ربطة عنقه
أيها السادة، كما تعلمون، فإن الحالة الصحية لوالدي الحاج عبد الحميد ساءت للغاية، والتقرير الطبي المعتمد يمنحنا الحق القانوني في إدارة كافة شؤونه وأمواله لحماية مصالح الشركة من الانهيار.
هز كريم رأسه موافقًا وأضاف
نعم، ولدينا التوكيلات الرسمية والموافقات المسبقة، ويمكننا البدء بالتوقيع الفوري لإنهاء هذا الفراغ الإداري.
وفجأة... انفتح باب القاعة الكبرى على مصراعيه بصوت عالٍ جذب انتباه الجميع.
دخل أحمد بخطوات ثابتة وواثقة، مرتدياً بدلة العمل الرسمية، ولم يكن وحدَه؛ بل كان يمشي خلفه الدكتور سامح، وأستاذ الشؤون القانونية الكبير المحامي شريف، وخلفهما مباشرة... الحاج عبد الحميد، يمشي باستقامة واضحة، متكئًا على عصاه، ووجهه يفيض بالوقار والصرامة.
سقط قلم التوقيع من يد حسام، وشحب وجه كريم تمامًا حتى أصبح أبيض كالثلج، بينما بدت ملامح الصدمة على وجوه جميع أعضاء مجلس الإدارة والشركاء.
هتف حسام بصوت متهدج وغير مصدق
أ... أبوي؟! كيف... كيف تتكلم وتتحرك؟!
تقدم الحاج عبد الحميد بخطوات بطيئة ولكنها مرعبة في هدوءها، حتى وقف على رأس الطاولة، ونظر نظرة فاحصة إلى ابنه وكريم، ثم قال بصوت عميق اهتزت له جدران القاعة
كنت أتمنى يا حسام أن تجدني في تلك الأرفة المظلمة وأنت تحمل لي كوب ماء، لا وأنت تحصي الأموال التي ستجنيها من بيع عرقي وشقائي. كنت أتمنى أن تبكي لفراقي، لا أن تحتفل بسفري إلى العين السخنة مع شركائك في التزوير.
حاول كريم أن يتدخل متعللاً بالقانون فقال بارتباك شديد
هذا... هذا غير قانوني! لدينا توكيلات موثقة...!
قاطعه المحامي شريف بابتسامة قانونية هادئة وهو يفتح حقيبته الجلدية ويخرج مستندات رسمية وفلاشة إلكترونية، قائلاً
التوكيلات التي تتحدث عنها يا سيادة المستشار تم استخراجها بطرق غير مشروعة، وقد أثبت التقرير الطبي المعتمد من لجنة مستقلة أن موكلي كان بكامل قواه العقلية والإدراكية طوال فترة حجزه في الغرفة الخلفية. والأهم من ذلك...
التفت شريف نحو الشاشة الكبيرة في القاعة وقام بتشغيل مقاطع الفيديو التي تثبت تآمرهم وتلاعبهم المالي، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية واضحة لكريم وهو يخطط لسرقة المستندات والتحايل على القانون.
عمت القاعة حالة من الرهبة والغضب بين الشركاء الكبرى، وقام أحد كبار المساهمين ليضرب بيده على الطاولة صارخًا
هذه خيانة عظمى للشركة! كيف تجرؤون على فعل هذا بمؤسس الكيان؟!
شعر حسام أن الأرض تميد به، فحاول الالتفاف نحو والده مستعطفًا
يا أبوي... الشيطان وسوس لنا، كنا نظن أنك لن تعود... سامحني!
لكن الحاج عبد الحميد رفع يده معترضًا وقال بحسم لا يقبل النقاش
لقد سامحتك كثيرًا يا حسام، ولكن أمانة الشركات وأرزاق مئات العاملين ليست لعبة في أيدي الطامعين. من اليوم، تم إنهاء كافة المهام الإدارية لحسام وكريم في الشركة، وإحالة جميع المستندات إلى النيابة العامة للتحقيق في قضايا التزوير واستغلال النفوذ.
الجزء الرابع الفجر الجديد
مرت أسابيع قليلة، وهدأت العاصفة التي ضربت أركان الشركة.
في مكتب رئيس مجلس الإدارة الواسع، جلس الحاج عبد الحميد على مقعده الجلدي الفاخر، وأمام مكتبه وقف أحمد بابتسامة هادئة تشي بالراحة بعد عناء طويل.
نظر الحاج عبد الحميد إلى أحمد نظرة تقدير وعرفان بالجميل، ثم أخرج ملفًا رسميًا ووضعه أمامه على الطاولة قائلاً
يا أحمد، طوال هذه السنين، كنت أعتقد أن المال والسلطة هما الحصن الوحيد للإنسان. لكن التجربة أثبتت لي أن الأبناء والشركاء قد يبيعونك من أجل ورقة مالية، بينما الغريب الذي لا يربطك به دم، قد يدخل إلى غرفتك المظلمة ليضيء لك العتمة.
فتح أحمد الملف فوجد عقداً جديداً يمنحه منصب النائب التنفيذي الأول للشركة مع نسبة ملكية تأسيسية تقديراً لنزاهته وأمانته وشجاعته.
قال أحمد بتواضع شديد وهو يغلق الملف
يا حاج، أنا لم أفعْل سوى الواجب الإنساني، ولم أكن أتوقع كل هذا التقدير.
ابتسم الحاج عبد الحميد ابتسامة دافئة وقال
الواجب الإنساني هو العملة الأندر في هذا الزمن يا بني. والشركة اليوم أصبحت في أمين الأمانات معك.
وفي تلك اللحظة، دخلت شمس الظهيرة من نافذة المكتب الزجاجية الكبيرة لتغمر المكان بنور ساطع، معلنة بداية صفحة جديدة عنوانها الوفاء والعدل، بعيدًا عن كل أشكال الخداع والمؤامرات، لتبدأ رحلة نجاح حقيقية تبنى على أساس صلب من الأخلاق والأمانة.