رجعت من الشغل
واللي المفروض أمه بتاخدها بانتظام.
ساعتها بس...
فهم إن اللي شافه النهارده مش بداية المشكلة...
ده مجرد أول خيط في مصيبة أكبر بكتير...
والسر الحقيقي لسه ما اتكشفش...
لم يتحمل أحمد رؤية أمه في هذه الحالة. سحب الكيس الأسود الذي يمتلئ بعلب الأدوية الغالية التي كان يدفع ثمنها من عرقه وتعب لضمان استقرار حالتها الصحية، وواجه بها نجلاء التي تجمدت مكانها للحظة قبل أن تستجمع قواها وتغير ملامحها إلى دور الضحية المظلومة.
— "إنت بتتهمني؟ أنا بنزل أجيب الدوا كل شهر، ولو ما كانتش بتاخده يبقى عشان هي اللي بتعاند! ولا تحب تعرف إن راتبك كله بيطير على دفاية وكهربا وأكل وهي نايمة مكانها مابتتحركش؟!" صرخت نجلاء بصوت حاد يحاول تغطية ارتباكها.
نظر إليها أحمد بنظرة جعلت خونتها تنعكس في عينيها. لم يصرخ، ولم يضربها، بل أخرج هاتفه المحمول بهدوء تام وقال بصوت مرعب من شدة بروده:
— "الكاميرا اللي في ريسبشن الشقة متسجل عليها كل حاجة بتعمليها من ساعة ما دخلت... والكاميرات التانية في الصالة مبينة إنتي كنتي بتدخلي الأوضة دي إزاي لما أكون في الشغل. مش بس كده، أنا صورتك دلوقتي."
تقرير الدكتور والحقيقة المروعة
في صباح اليوم التالي، أخذ أحمد أمه وذهب بها إلى أحد كبار الأطباء الاستشاريين في أمراض المخ والأعصاب والطب الشرعي. بعد فحص دقيق وشامل، خرج الطبيب وهو يحمل التقرير الطبي وملامح وجهه تقطر غضبًا وقرفًا.
— "يا بشمهندس أحمد، والدتك لم تتعرض لإهمال فقط، بل لعنف جسدي ممنهج ومتعمد. الكدمات اللي في جسمها واضحة إنها نتيجة ضغط بالأصابع والشد بقسوة. الأدهى من كده، إن الأدوية دي لو كانت التزمت بيها، كانت حالتها اتحسنت بنسبة خمسين فيصد، لكن حرمانها منها كان مقصود عشان تفضل في حالة خمول دائم وضعف مستمر!"
سأل أحمد بصوت متهدج:
— "ليه يا دكتور؟ ليه تعمل فيها كده؟"
تنهد الطبيب وقال بأسى:
— "في حالات كتير، بيكون الهدف هو إرهاق المريض نفسيًا وجسديًا عشان يرضخ لأي طلبات مالية أو توقيعات، أو عشان يزهق من الحياة."
هنا، رفعت الحاجة أمينة رأسها بصوت ضعيف ولكن واثق وهي تمسك كف ابنها:
— "عشان الشقة يا ابني... نجلاء كانت عاوزاني أكتب شقة شبرا باسمها، أو أبيعها وأديهم الفلوس عشان تشتري بها شقة جديدة في التجمع. كنت برفض... فكانت بتنتقم مني بالطريقة دي."
مفاجأة بيت الملايين وسر العقود القديمة
لم يستطع أحمد الانتظار. عاد إلى الشقة وعزم على طرد نجلاء نهائيًا، لكنه تفاجأ بأنها لم تكن بمفردها؛ كانت تجمع ملابساتها ومعها شقيقها الأكبر المحامي، الذي وقف يتوعد أحمد بقضايا نفقة وتمكين إذا لم يكتب نصف الشقة لنجلاء "ترضيةً للخواطر".
ابتسم أحمد بمرارة، ودخل إلى غرفة أمه، وفتح الدولاب القديم المصنوع من الخشب الزان العتيق، والذي ورثته أمه عن أبيها. فتح الأدراج السفلية وخرج بصندوق معدني قديم مغلق بقفل صدئ.
كسر القفل بماسورة صغيرة، وخرج منه أوراق قديمة وصفراء.
لم تكن مجرد أوراق ملكية شقة شبرا العادية...
بل كانت مستندات ملكية أرض قديمة في منطقة استراتيجية بمحافظة الجيزة، كانت العائلة تظن أنها نزعت ملكيتها للمنفعة العامة قبل عقود، ليتبين من الأوراق الرسمية المحدثة، ومن إخطار حكومي وصل قبل أسبوعين فقط ولم تفتحه نجلاء، أن الأرض تم تعويض ورثتها بملايين الجنيهات، وأن اسم المالك الأصلي المسجل في الشهر العقاري هو "أمينة محمد الشناوي" وحدها دون شريك!
النهاية المغلقة: العدالة تكتمل
دخل أحمد الصالة وفي يده المستندات الرسمية والشيكات البنكية المبدئية التي تثبت ثروة الملايين التي أصبحت ملكًا لأمه.
نظر إلى نجلاء التي اتسعت عيناها ذعرًا وفرحة مؤقتة ظنًا منها أن النعيم قد حان، وقال بصوت حاسم:
— "كنتي بتعذبي ست عجوز عشان طمعانة في شقة تمنها مليون، ودلوقتي جه الوقت اللي تعرفي فيه إن ربنا أمهلكم كتير عشان يظهر الحقيقة."
أخرج هاتفه وسجل مكالمة مباشرة لشرطة النجدة ومباحث الإنترنت، وقدم الفيديوهات التي توثق التعدي والضرب، بالإضافة إلى التقرير الطبي الصادم. وفي غضون ساعة واحدة كانت قوة من الشرطة تقف على باب الشقة.
تم القبض على نجلاء بتهمة الشروع في إيذاء مسنة وتعريض حياتها للخطر واستغلال الضعف، وتم طرد شقيقها من الشقة خالي الوفاض.
في المساء، جلس أحمد بجوار سرير أمه، يطعمها بنفسه شوربة دافئة بحنان بالغ، بينما نظرت إليه أمينة بابتسامة رضا غسلت كل تعب السنين. ولم تعد شقة شبرا مجرد جدران قديمة تحمل ذكريات الكفاح، بل أصبحت رمزًا للعدالة الإلهية التي أنصفحت الصابرين وجازَت الخائنين أقسى جزاء.