المسعف والجرسونه سما سامح

لمحة نيوز

أبص في وشوش الزباين يمكن أشوفك.
ست سنين.
كل يوم.
ابتسم أحمد بإحراج.
الدنيا صغيرة.
قالت وهي بتضحك
لا... دي رحمة ربنا.
وقبل ما يكملوا كلام...
باب الكافيه اتفتح بعنف.
ودخل ولد صغير بيجري وهو بيزعق
ماماااااا!
وقف فجأة أول ما شاف أحمد.
بصله ثواني...
وبعدين قال
هو ده؟
لفت سارة ناحيته.
أيوه يا يوسف...
ده الراجل اللي أنقذك.
الولد جري عليه من غير ما يفكر، ورمى نفسه في حضنه.
أحمد اتفاجئ، لكن حضنه تلقائي.
الولد قال بصوت مخنوق
أنا كنت فاكر هقابلك وأنا كبير...
شكراً إنك رجعتني لمامتي.
الكلمة نزلت على قلب أحمد كأنها أول مرة حد يشكره بجد.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
سارة قالت
استنى هنا دقيقة.
دخلت المكتب، ورجعت بعلبة خشب صغيرة.
فتحتها.
كان فيها عشرات الجوابات.
كل جواب عليه تاريخ.
قال أحمد باستغراب
إيه دول؟
قالت
كل سنة في عيد ميلاد يوسف... كان بيكتبلك جواب.
كان فاكر إننا هنلاقيك يوم من الأيام.
أحمد فتح أول جواب.
الخط كان طفل جدًا.
عمو الإسعاف... النهارده بقيت أعرف أربط الجزمة لوحدي.
فتح اللي بعده.
أنا طلعت الأول على الفصل.
واللي بعده.
نفسي لما أكبر أبقى زيك وأنقذ الناس.
فضل يقلب الجوابات...
وكل سنة من عمر الولد كانت مكتوبة قدامه.
لحد آخر جواب.
كان مكتوب فيه
لو قابلتك في يوم... هقولك إنك مش أنقذت حياتي أنا بس... أنت أنقذت ماما كمان.
مبقاش قادر يمنع دموعه.
أول مرة من سنين.
وفي اللحظة دي...
الكافيه كله بدأ يسقف.
أحمد بص حواليه باستغراب.
لقى الزباين كلهم واقفين.
وبعدين خرج من المطبخ ومن خلف الكاونتر ناس كتير.
راجل مسن.
بنت في العشرينات.
شاب على كرسي متحرك.
ست شايلة طفلة صغيرة.
وشوش كلها غريبة...
لكن عيونها مليانة امتنان.
قال الراجل الكبير
فاكر جلطة سنة 2021؟
أنا المريض.
وقالت البنت
وأنا كنت في حادثة ميكروباص.
وقال الشاب
وأنا اللي كنت تحت عربية نقل.
وقال حد من آخر الكافيه
وأنا ابني كان بيختنق.
كل واحد فيهم كان شايل صورة...
أو تقرير مستشفى...
أو ذكرى.
كلهم كانوا ناس أحمد أنقذهم في وقت من الأوقات.
سارة قالت بابتسامة
بقالي سنة كاملة بدور عليهم.
عملت إعلان على فيسبوك.
ودورت في المستشفيات.
واتصلت بالصحفيين.
ولما لقيتك بالصدفة النهارده...
عرفت إن ربنا كتب إن المفاجأة تبقى الليلة.
أحمد وقف مذهول.
قال بصوت مبحوح
أنا... أنا مكنتش أعرف إن حد فاكرني.
رد الراجل الكبير
لأنك كنت دايمًا تمشي قبل ما نعرف حتى اسمك.
وفي اللحظة دي...
دخلت بنت بسرعة وهي بتجري.
كانت دينا...
البنت اللي سابت معاد الديت.
وقفت وهي بتتنفس بصعوبة.
أحمد... أنا آسفة... حصلتلي...
لكنها سكتت أول ما شافت الناس كلها.
وسارة.
والتصفيق.
وسمعت الراجل الكبير بيقول
النهارده بنكرم الراجل اللي أنقذ حياة أكتر من 300 شخص.
بصت لأحمد بخجل شديد.
أما أحمد...
فابتسم لأول مرة من قلبه.
وقال بهدوء
متقلقيش...
يمكن لو كنتي جيتي في معادك...
مكنتش هقابل الناس اللي رجعتلي عمري كله.
دينا فهمت الرسالة.
اعتذرت ومشيت في هدوء.
وبعد ما الكافيه فضي، كانت الساعة قربت على نص الليل.
أحمد كان لسه قاعد.
وسارة بتحطله آخر فنجان قهوة.
قالت بابتسامة
تعرف...
يوسف كلمني من شهر وقال لي يمكن ربنا مخبي الراجل ده لحد ما يبقى من نصيبنا.
ضحك أحمد لأول مرة بصوت عالي.
ابنك لسانه طويل.
شبه أمه.
الاتنين ضحكوا.
وبدأوا يتكلموا...
مش عن الحريق.
ولا عن الماضي.
لكن عن الحياة.
وبعد سنة...
كان نفس الكافيه مليان ورد أبيض.
ويوسف واقف ببدلة صغيرة، ماسك الدبلتين.
وأحمد وسارة واقفين قدام المأذون.
قبل ما يلبسها الدبلة، يوسف شده من هدومه وهمس في ودنه
المرة دي...
أنا اللي هرجعلك حياتك.
ابتسم أحمد وهو بيبص للولد، وبعدها لسارة.
وفهم أخيرًا إن كل السنين اللي كان فاكر فيها إنه مجرد شخص بيعدي في حياة الناس...
كانت في الحقيقة بتبني طريق طويل، راجع له في النهاية على هيئة عيلة عمره ما كان يحلم بيها.
تمت.

تم نسخ الرابط