المسعف والجرسونه سما سامح

لمحة نيوز

البنت اللي كان مفروض تيجي الديت مجتش... لكن الجرسونة قعدت قدامي وقالت ممكن أقولك حاجة؟
الست اللي قعدت قدام المسعف بعد ما اتساب لوحده، كانت بقالها ست سنين بتدور على الراجل اللي أنقذ حياة ابنها.
كان اسمه أحمد الشاذلي، عنده 39 سنة، وبقاله 14 سنة شغال مسعف في هيئة الإسعاف المصرية.
شاف كل اللي ممكن تتخيله.
لحق حالات جلطات في شقق بسيطة في شبرا، وحوادث مروعة على الطريق الدائري، وحرائق في بيوت قديمة في بولاق، وستات ولدت جوه عربيات وهي واقفة في زحمة كوبري أكتوبر.
في أسوأ لحظات حياة الناس... أحمد كان دايمًا أول واحد يوصل.
كان بينزل من العربية بإيد ثابتة، وصوت هادي، وعقل شغال حتى لو الدنيا كلها حواليه مقلوبة.
ينقذ المريض... يوصله المستشفى... ينضف العربية... ويرجع يجري على البلاغ اللي بعده.
لكن أول ما شيفته تخلص...
محدش كان مستنيه.
كان عايش لوحده في شقة صغيرة في مدينة نصر.
بيركب عربية قديمة بقالها أكتر من 12 سنة، وكل ما تعطل يقعد يصلحها بنفسه عشان ميقدرش يجيب غيرها.
مرتبه بالعافية بيكفي الإيجار والفواتير، وكمان كان بيبعت جزء كبير منه كل شهر عشان علاج أمه اللي عايشة مع أخته في طنطا.
الناس كانت فاكرة إن الراجل اللي بينقذ الأرواح أكيد حاسس إنه بطل.
بس أحمد كان عارف الحقيقة.
كل مريض مات بين إيده... كان بيفضل ساكن في دماغه.
أما اللي عاشوا...
فكانوا بيختفوا من حياته للأبد.
ومع السنين بدأ يحس إنه مجرد شخص بيعدي في حياة الناس.
يدخل وقت الكارثة... يطمنهم شوية... وبعدها يختفي كأنه عمره ما كان موجود.
أخته منى كانت كل شوية تقوله
يا أحمد... هتفضل طول عمرك بتنقذ الناس وترجع لشقة فاضية؟
وكان كل مرة يهرب.
مرة يقول عنده شيفت زيادة.
ومرة العربية محتاجة صيانة.
ومرة زميله تعبان ولازم يغطي مكانه.
لحد ما في يوم أخته قررت تاخد القرار مكانه.
قالتله
خلاص... أنا ظبطتلك معاد مع واحدة اسمها دينا، شغالة معايا في الشركة. ادتها رقمك، واتفقنا تتقابلوا الخميس الساعة 8 بالليل في كافيه على النيل في الزمالك... ولو مروحتش، متكلمنيش شهر.
مكانش قدامه غير يوافق.
عشان كده كان أحمد قاعد في الكافيه قبل المعاد بعشر دقايق، لابس قميص أزرق مكوي مرتين من كتر توتره.
الساعة بقت 8 و.
بص للموبايل.
8 و.
طلب كوباية مية.
8 و.
بطل يبص على الباب كل ما حد يدخله.
الجرسونة قربت منه بابتسامة هادية.
تحب تطلب حاجة لحد ما المدام توصل؟
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
أكيد بس اتأخرت عشان الزحمة.
هي هزت راسها...
لكن الاتنين كانوا عارفين إن دي مجرد محاولة يحافظ بيها على شكله.
لحد ما الساعة بقت 8 و.
الموبايل رن.
فتح الرسالة.
معلش... مش هعرف أجي.
ولا سبب.
ولا اعتذار بجد.
ولا حتى مكالمة.
فضل باصص للشاشة كام ثانية.
وبعدين قفل الموبايل بهدوء، وأخد نفس طويل وهو بيقاوم الإحساس اللي بيضغط على صدره.
مكنش زعلان من دينا...
هو أصلًا ميعرفهاش.
اللي وجعه...
الصوت القديم اللي كل شوية يهمسله
ما هو طبيعي... هي ليه أصلًا تيجي؟
طلع المحفظة من جيبه.
كان ناوي يحط الحساب ويمشي بسرعة قبل ما حد يحس إنه اتساب.
لكن في اللحظة دي...
الجرسونة رجعت.
حطت قدامه فنجان قهوة وقطعة جاتوه شوكولاتة.
بصلها باستغراب.
أنا مطلبتش دول.
ابتسمت وقالت
عارفة.
وفجأة...
قلعت المريلة، وراحت قعدت على الكرسي اللي كان المفروض دينا تقعد عليه.
أحمد فضل باصصلها مش فاهم.
قالت وهي متوترة
معلش... أنا بقالي ساعة كاملة بجمع شجاعتي عشان أعمل اللي هعمله دلوقتي.
قال بسرعة
لو قعدتي عشان تصعبي عليا... بجد مفيش داعي.
هزت راسها.
لا...
دي مش شفقة خالص.
فضلت تبصله كأنها بتتأكد من ملامحه.
وبعدين قالت بصوت واطي
هو... أنت.
استغرب.
إحنا نعرف بعض؟
حطت إيدها على صدرها، وعينيها لمعت.
أنت أكيد مش فاكرني... ومش هالومك.
بس أنا بقالي ست سنين بدور على الراجل اللي أنقذ حياة ابني.
أحمد عقد حواجبه.
كل سنة كان بينقذ مئات الأشخاص.
وجوه مليانة دم.
أطفال بيعيطوا.
أمهات منهارة.
رجالة بين الحياة والموت.
ولو فضل فاكر كل وش شافه...
مكنش هيقدر يكمل شغله.
قال بهدوء
يمكن حضرتك لخبطاني بحد تاني.
ردت من غير ثانية تردد
مستحيل.
أنا فاكرة عنيك.
وفاكرة صوتك.
وفاكرة الجملة اللي فضلت تخليني أكررها وأنا منهارة ومش قادرة آخد نفسي...
وساعتها...
أحمد حس إن ذكرى قديمة جدًا بدأت تتحرك في دماغه...
فضل أحمد ساكت كام ثانية، وهو بيحاول يفتكر.
قال بهدوء
إمتى كان ده؟
ابتسمت الجرسونة ابتسامة كلها وجع.
يوم 17 نوفمبر... من ست سنين. عمارة قديمة في شبرا ولعت، وابني كان عنده خمس سنين.
في اللحظة دي... وش صغير غرقان في السواد والدخان لمع قدام عين أحمد.
افتكر.
الولد اللي كان قلبه وقف.
والأم اللي كانت بتصرخ بشكل هستيري.
وافتكر إنه مسك وشها بإيده وقالها
بصيلي... كرري ورايا... ابنك لسه عايش... وابنك مستنيكي تكوني قوية.
نزلت دمعة من عينها.
الجملة دي هي اللي منعتنيش أنهار.
سكت أحمد وهو مذهول.
الولد... عاش؟
ضحكت لأول مرة.
عاش... وبقى عنده 11 سنة دلوقتي.
مدت إيدها في شنطتها، وطلعت صورة لطفل لابس تيشيرت النادي الأهلي، واقف ماسك كأس بطولة مدرسة.
اسمه يوسف... وكل عيد ميلاد كان يقولي هو الراجل اللي أنقذني فين؟
أنا كنت أقول له معرفوش.
لكن الحقيقة...
أنا عمري ما بطلت أدور عليك.
أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة.
أنا عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله.
هزت راسها بقوة.
لا...
كل الناس كانت واقفة تتفرج.
أنت الوحيد اللي دخل النار.
وقبل ما تدخل قلت لزميلك لو اتأخرت... متستناش.
أنت كنت مستعد تموت علشان طفل متعرفوش.
اتجمد أحمد مكانه.
هو نفسه كان ناسي الموقف ده.
لأنه بعد الحادثة طلع على بلاغ تاني بعدها بساعة.
زي كل مرة.
خرج الناس من حياته...
لكن هما عمرهم ما خرجوا من حياته.
قالت وهي بتبصله
اسمي سارة... والكافيه ده بتاعي.
أنا بدأت هنا كجرسونة، وبعدها اشتريته بالتقسيط.
وكل يوم كنت

تم نسخ الرابط