سابها بتنزف
المسعف طلب اللاسلكي فوراً وهو في العربية إشارة عاجلة لعمليات الإسعاف.. معانا حالة حرجة جداً، ابنة اللواء أحمد عبدالرحمن، اتجاهنا لمستشفى الجلاء العسكري، محتاجين فتح طريق فوراً!
في أقل من سبع دقائق، كانت عربيات الهيئة الهندسية والشرطة العسكرية بتقفل المحاور الرئيسية في مدينة نصر عشان تمر عربية الإسعاف كأنها طيارة.
في مستشفى الجلاء العسكري، كان الممر برة أوضة العمليات أشبه بساحة حرب.
اللواء أحمد عبدالرحمن وصل ببدلته العسكرية وجبروته اللي بيهز جبال، لكن وعينيه فيها دموع عاجزة لأول مرة في حياته وهو شايف بنته الوحيدة بين الحياة والموت بسبب انفصال المشيمة الحاد وهبوط في الدورة الدموية.
الدكتورة دينا فؤاد خرجت من العمليات بتنهيدة تعب، وقالت وهي بتمسح عرقها
سيادة اللواء.. احنا لحقنا المدام ندى في آخر ثانية. النزيف كان هيدخلها في غيبوبة كاملة. الجنين اتنقل للحضانة فوراً لأنه اتولد في الأسبوع ال ونقص الأكسجين كان خطر عليه، بس حالته حالياً مستقرة. لكن...
اللواء أحمد قاطعها بصوت حاد كالسيف
لكن إيه يا دكتورة؟
المسعف اللي جاب ندى كان واقف بعيد، قرب بخوف واحترام وقال
يا فندم.. المدام وهي بتغيب عن الوعي قالت إن جوزها سابها وهي بتنزف وقفل التليفون ومشي.. احنا لقينا الشقة غرقانة دم وإزاز مكسور، وهي كانت بتزحف على بطنها عشان تفتح الباب.
في اللحظة دي، ملامح اللواء أحمد اتحولت لكتلة من الثلج والنار. بص لمدير مكتبه وقال بلهجة آمرة لا تحتمل النقاش
الشقة تقفلوا عليها حراسة مشددة.. مش عايز فار يدخلها. والحيوان ده.. ما حدش يتصل بيه ولا يعبره، سيبوه يعيش وهمه.. وأنا اللي هربيه بمعرفتي.
في نفس الوقت، في قاعة الأفراح الفخمة اللي حجزها كريم لأمه، كانت الأنوار مبهجة، والحاجة سهير قاعدة كأنها ملكة متوجة، وكريم واقف جنبها بيضحك وبيهزر، وتليفونه مغلق تماماً بناءً على رغبة أمه اللي قالتله أول ما دخل اقفل الزفت ده عشان نتبسط، تلاقيها بتتمارض عشان تنكد علينا وتشد رجلك ليها.
مرت الليلة، ومر اليوم اللي بعده، وكريم نايم في بيت أمه في قمة الراحة، متخيل إن ندى قاعدة في الشقة بتعيط وندمانة إنها نكدت عليه.
صحي في اليوم التاني، وأمه قالتله ب خبث
يلا يا كيمو، روح هات ابنك من الشقة، تلاقيها ولدت عند أي دكتورة من وراك عشان تلوي دراعك، هاته هنا عشان نعمله السبوع في بيتي، وهي تفضل هناك لحد ما تتربى وتعرف قيمة جزمك.
كريم ابتسم بثقة، أخد مفاتيح عربيته، وساق لحد عمارته في مدينة نصر، وهو بيرسم في خياله سيناريو الدخول القوي وإزاي هيكسر مناخير ندى ويورّيها إنه سابها يومين كاملين ومفرقش معاه.
كريم وصل أول الشارع.. وفجأة فرمل بعنف!
الشارع كله كان مقلوب. عربيتين هامر تبع القوات المسلحة، وبوكس شرطة عسكرية، وعساكر واقفين بسلاحهم الميري قدام مدخل العمارة مباشرة. السكان كلهم واقفين في البلكونات بيتفرجوا في ذهول وصمت مريب.
كريم حس بنغزة في قلبه، نزل من العربية ورجليه بتترعش، قرب من البوابة، فلقى عسكري ضخم الصخر وقف قدامه ورفع إيده
ممنوع الدخول يا أفندي.. المنطقة دي مؤمنة بأوامر عسكرية.
كريم بلع ريقه وبصوت مهزوز قال
أنا.. أنا ساكن هنا.. شقتي في الدور الرابع.. أنا كريم الشناوي.
بمجرد ما نطق اسمه، العسكري نظراته اتحولت لشرار، وضغط على اللاسلكي يا فندم.. الهدف وصل ورجليه شالته لحد هنا.
في ثواني، نزل ضابط برتبة مقدم من العمارة، وبص لكريم من فوق لتحت باحتقار يوجع، وقال ببرود قاتل
كريم الشناوي؟ جوز الأستاذة ندى؟
كريم هز راسه برعب آه.. في إيه؟ ندى جرى لها إيه؟ وابني فين؟
المقدم ضحك ضحكة ساخرة ورزع إيده على كتف كريم لدرجة إن عضم كريم طقطق
ابنك في الحضانة.. ومرتك في المستشفى العسكري بين الحياة والموت.. وإنت يا حيلتها مطلوب القبض عليك بتهمة الشروع في قتل زوجتك وترك شخص في حالة خطر داهم أدى لتهديد حياته.
كريم صرخ شروع في قتل إيه؟ دي مراتي! وإنتو مين أصلاً عشان تدخلوا شقتي؟
المقدم قربه منه وهمس في ودنه بصوت فزع ركبه
احنا رجالة اللواء أحمد عبدالرحمن.. حماك العزيز اللي إنت ما كلفتش نفسك تسأل هو شغال إيه.. اركب يا روح أمك!
في مكتب التحقيقات بمستشفى الجلاء العسكري.. كريم كان قاعد على كرسي، هدومه مبهدلة، ودموعه نازلة من الرعب. الباب اتفتح ودخل اللواء أحمد عبدالرحمن بيهيبته الساحقة، وجنبه محامين كبار من أصدقاء ندى في سلك المحاماة.
كريم رمى نفسه تحت رجل اللواء أحمد وهو بيعيط
يا فندم والله ما كنت أعرف.. والله العظيم أمي هي اللي قالتلي دي بتتدلع.. أنا بحب ندى!
اللواء أحمد ما هزش فيه شعره واحدة، قعد على الكرسي وبص له بكل احتقار الدنيا
بتحبها؟ سبتها بتنزف في دمها ووسط الإزاز المكسور عشان تروح تاكل تورتة؟ بنتي محامية ومتربية وعمرها ما اتفشخرت بمنصبي ولا طلبت مني أتدخل في حياتها عشان ترفع من شانك.. لكن لما يوصل الأمر إنك تسيب دمها يسيح عشان ترضي نقصك ونقص أمك.. يبقى إنت مش راجل.. وإنت وقعت مع الراجل الغلط.
اللواء أحمد أشار للمحامي، فطلع ملف ضخم
ده بلاغ رسمي للنيابة العامة بشهادة تقرير الإسعاف، وتقرير مستشفى الجلاء، وشهادة الدكتورة دينا فؤاد إنك كنت على علم بحالتها الحرجة وتعمّدت قفل تليفونك. مش بس كده.. ندى فاقت ووقّعت على قضية خلع، وتنازل إجباري منك عن كل حقوقك، وقضية إسقاط ولاية تعليمية وحضانة عنك وعن عيلتك بالكامل.
كريم صرخ مش هيمشي.. ده ابني!
اللواء أحمد قام وقف، وداس على طرف جزمة كريم وقال بصوت زلزل الأوضة
ابنك اتكتب في الدفاتر باسم يوسف أحمد عبدالرحمن.. اتنسب ليا أنا.. وإنت مالكش طفل عندي.. وهتطلع من هنا على السجن العسكري تتربى فيه، والشركات اللي بتتعامل معاها في شغلك كلها جالها أمر بمراجعة ضريبية وفك عقود.. إنت وأمك هتشحتوا اللقمة.. وده وعد من أحمد عبدالرحمن.
بعد مرور شهر كامل..
في فيلا اللواء أحمد عبدالرحمن ب مصر الجديدة، كانت الجنينة متزينة بأجمل الورد الأبيض.
ندى كانت واقفة، وشها رجع له النور، لابسة فستان أنيق، وشايلة في إيديها طفلها يوسف اللي زي القمر، وكان بيضحك في حضنها.
أبوها اللواء أحمد قرب منها، وطبع بوسة على راسها وراس الطفل وقالها
مبروك يا سيادة المحامية.. حكم الخلع طلع رسمي النهاردة، وبلاغ الشروع في القتل لبّس كريم حكم ب 3 سنين سجن مع الشغل والنفاذ، وأمه الحجة سهير طردوها من شقتها الإيجار بعد ما الحجز نزل على محلات كريم ومبقاش حيلتهم جنيه.
ندى بصت لأبوها ودموع الفرحة في عينيها، وبصت لابنها يوسف وقالت بنبرة قوية مليانة ثقة
الضربة اللي متموتش بتقوي يا بابا.. يوسف هيتربى في وسط رجالة بجد.. ومش هيدوق الوجع اللي أنا دوقته.
وفي اللحظة دي، ندى رمت موبايلها القديم اللي كان عليه صور كريم في الباسكت، وأخدت ابنها ودخلت الفيلا، وهي بتقفل وراها باب الماضي للأبد.. باب اتقفل بقوة وعدل.. مش بعنف وظلم.