منى والكبير سما سامح
منىٰ خدت الطلقة مكان الكبير.. بس كلمتها الأخيرة صدمته
منى شافت الرصاصة قبل ما تستوعب الكارثة اللي هتحصل.
الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل، يوم جمعة، والمطعم الشيك اللي في الزمالك كان شغال بنفس ريتم السهرات الرايقة المعتاد بقاله 3 سنين وهي شغال فيه. كاسات الكريستال بتلمع تحت الإضاءة الدافية، همس الزباين مالي المكان، والأطباق بتتحرك من المطبخ للصالات بنظام وهدوء.
في طرابيزة متطرفة في الركن، كان قاعد **عاصم الجارحي**.. راجل هيبته تملا المكان، بدلة متفصلة عليه بالملّي، ووشم باين من قفل قميصه بيقول إن وراه حكايات تقلق. بقاله بالظبط ساعة إلا ربع قاعد لوحده، يدوب لمس كاس الويكي اللي قدامه. عينيه حامية بتراقب كل اللي داخل واللي خارج، وصوابعه بتخبط على المفرش الأبيض بريتم فيه غل وقلق.. أو الاتنين مع بعض.
منى كانت حتة وِيتر (شغالة في الصالة) عينيها دبلانة من التعب، وعليها ديون وكمبيالات لعلاج والدتها حاسة إنها عمرها ما هتخلص منها. لحد الليلة دي، كانت أكبر مشاكلها في الدنيا عادية جداً: فواتير مأخرة، وقفة رجلين بالساعات في الشيفت، وإحساسها إنها "شفافة" للناس المبسوطة اللي مبتشوفهاش غير لما يحبوا يطلبوا حاجة أو يزودوا مية.
وفجأة، شافت المصيبة من ورا قزاز المطعم الكبير الطويل.
نقطة ليزر حمراء زي الدم شقّت النور الدافئ بتاع المكان. الليزر كان متصوب بالظبط على نص سدِر عاصم الجارحي، على بعد كام متر منها.
منى مفكرتش ثانية.. ولا حتى ترددت.
**"حااااسب.. اِقعد!"**
الكلمة هزت الصالة الشيك وزلزلت الهدوء زي حجر حدفوه في لوح قزاز.
جسمها اترمي لقدام تلقائي. صينية الكاسات اتنطرت من إيدها واتفشكت في الأرض، ورمت نفسها بكل عزمها عليه. الرصاصة لحقتها وقسمت كتفها قبل ما أول حتة كريستال مكسور تلمس الأرض الرخام.
المطعم فجأة اتقلب هس.. مفيش صريخ، مفيش نفس، كل حركة وقفت في ثانية.
منى اتكفت على سدر عاصم، واليونيفورم الكحلي بتاعها بدأ يشرب دم أحمر حامي. رجليها خانتها ومبقتش شايلاها، ومكنتش قادرة تاخد نفسها، ومفيش غير وجع نار بيحرق كتفها، وإيدين عاصم اللي لحقتها وقبضت عليها قبل ما تقع على الأرض.
بس عاصم بيه متخَضش، ومصرخش.. وشه ظهر عليه تعبير رعبها أكتر من الرصاصة نفسها.
مكنش وش واحد فرحان إنه نِجِي، ولا وش مصدوم. كان وشه جايب ألوان من الغل والرعب.. وعينيه مكنتش عليها هي، كانت بتبص وراها، على حاجة خلت جسمه كله يتخشب من العصبية والغضب لدرجة إنها حست برعشته من تحت البدلة.
منى غصب عنها لفت راسها بالعافية وسط الزغللة والوجع، وبصت في نفس الاتجاه اللي بيبص فيه.
وهناك شافته.. **خالد**، الدراع اليمين لعاصم واللي كان قاعد بيأمنه على بعد تلات طرابيزات طول السهرة، واللي هي بنفسها نزلتله مقبلات من ساعة. كان واقف وفي إيده طبنجة بكاتم صوت، ومصوبها بالظبط على المكان اللي كان فيه راس عاصم من ثواني.
منى فهمت اللعبة ساعتها.. نقطة الليزر اللي برة القزاز، والقناص اللي مستخبي في الضلمة، كل ده كان فيلم وهري عشان يشتتوا انتباهه. القاتل الحقيقي كان جوه المطعم، وسطهم ومأمنين له. كان مستني عاصم يركز مع التهديد اللي برة، عشان ياخد الطلقة من أكتر بني آدم كان بيثق فيه في الدنيا.
والدم مغرق بقها والدنيا بتسود في عينيها، منى عافرت وطلعت الكلمتين بالعافية:
> **"خالد.. وراك.."**
إيد عاصم جِريت على سلاحه اللي في جنبه، بس خالد كان أسرع وبدأ يرجع بضهره ناحية باب المطبخ، والطبنجة لسه متوجهة عليهم هما الاتنين. تلات ثواني كاملة، الراجلين فضلو يبصوا لبعض وسط كسر الازاز.. وكسرِة السند والثقة.
وفي اللحظة دي، خالد ابتسم.
مكنتش ابتسامة واحد فرحان إنه هرب، كانت أبرد من كدة بكتير.. ابتسامة واحد بقاله سنين بيرتب لليوم ده. وقال بصوت هادي وواضح سمع كل شبر في الصالة الساكتة:
"مكتبش المفروض تتحرك.. مكنتش في الحسبة خالص."
ودخل جري من باب المطبخ واختفى، في نفس اللحظة اللي رجالة الحراسة بتاعة عاصم بيه كسروا فيها الباب الخارجي ودخلوا وسلاحهم في إيديهم.
منى مكنتش حاسة بالدوشة والقلبان اللي حواليها. عقلها وقف عند جملة خالد وبقت تتردد في ودنها وسط غيبوبة الصدمة ونزيف الدم.. *مكنتش في الحسبة*.
بس خلاص.. بقت في قلب الحسبة.
عاصم كان كابس بإيده على جرحها وبيرغي ويزعق لرجاله ببرود الراجل اللي متعود على شكل الدم والموت. وهو بيحاول يفوقها ويخليها مفتحة عينيها، منى استوعبت تماماً إن البنت اللي دخلت الشيفت ده الصبح خلاص ماتت.
البنت اللي كانت أقصى طموحها الستر ويوم بيومه، اللي كانت فاكرة إن الـ 300 جنيه اللي حيلتها في المحفظة هي أسوأ كابوس ممكن تعيشه.. البنت دي عمرها ما تخيلت إنها هتبص في عين أكبر راس في البلد وتشوف موتها فيهم، مش بسببه هو، بس بسبب العالم الأسود اللي رمت نفسها فيه لما فدته بحياتها.
**"فتحي عينك ومتغيبيش عني!"** عاصم زعق فيها بأمر مفيش فيه نقاش.. مكنش رجاء، كان أمر من راجل مبيعرفش يعني إيه حد يقوله "لأ"......
الغيبوبة مخدتش منى أكتر من 24 ساعة. فتحت عينيها لقت نفسها في أوضة غريبة، السقف عالي، والسرير مريح بشكل ميعرفهوش الشقيانين اللي زيها. أول ما حاولت تتحرك، وجع كتفها صوّت في عضمها، بس لقت إيد دافية وقوية بتمسك كتفها التاني براحة عشان تثبتها.