منى والكبير سما سامح

لمحة نيوز

بصت لقت عاصم الجارحي قاعد على كرسي جمب السرير، قميصه الأسود متشمّر، وعينيه منامتش من الليلة اللي فاتت. مخدهاش مستشفى عام عشان عارف إن دراع خالد واصل، جاب لها أكبر جراح في مصر لحد فيلته المتأمنة في التجمع الخامس، وطلعوا الرصاصة في أوضة عمليات خاصة جوه الفيلا.
عاصم بص في عينيها وقال بصوت رخيم فيه بحّة تعب:
"حمد الله على السلامة يا منى.. الدكتور بيقول إنك عديتي مرحلة الخطر. بس أنا عايز إجابة لسؤال واحد ومن غير لف ودوران.. أنتِ لِمحتِ الليزر وفديتيني بنفسك، ماشي.. بس عرفتِ منين إن خالد هو اللي ورايا؟ وعرفتي منين إنه ورايا بالظبط في اللحظة دي بالذات؟"
منى بلعت ريقها الصعب، وقالت بصوت طالع بالعافية من وسط وجعها:
> "عاصم بيه.. الشغالين في الصالة زينا مفيش حد بيعملهم حساب، بنبقى زي الحيطان، الناس بتتكلم قدامنا كأننا مابنفهمش. خالد من أسبوعين قعد في نفس الركن مع راجل غريب، وأنا بنزلهم القهوة سمعته بيمضي ورق ويبتسم ويقول للراجل: 'الجمعة الجاية عاصم الجارحي هيبقى في ذمة الله، والتوكيلات المزورة دي هتخليني أستلم شُحنة السلاح والدهب اللي داخلة مينا إسكندرية باسمه.. والشرطة هتقيد القضية تصفية حسابات برانية'."
عاصم عينيه اسودّت، وعروق رقبته برزت. اللعبة مكنتش مجرد اغتيال.. دي كانت عملية "قلب نظام حكم" كاملة على إمبراطوريته، وخالد كان مطلع ورق رسمي مزور ينقل له كل أملاك عاصم بمجرد ما عاصم يموت!
عاصم وقف، وبدأ يتحرك في الأوضة زي الأسد المحبوس. خالد دلوقتي مستخبي، وفاكر إن عاصم مات أو بيموت، وأكيد بيجهز نفسه عشان يروح مينا إسكندرية يستلم الشحنة اللي هتنقله لمستوى تاني من النفوذ وتخليه "الكبير" الجديد.
عاصم بص لمنى وقالها: "خالد فاكر إنك ميتة، وفاكر إن أنا عاجز.. الشحنة هتوصل المينا النهاردة الفجر. أنا هتحرك لإسكندرية حالا أقفل الحساب ده."
منى، رغم الوجع والنزيف اللي كان لسه مأثر عليها، سندت نفسها وقعدت على السرير وقالتله بعيون حامية:
"خدني معاك يا عاصم بيه.. خالد قتـ ل البنت الغلبانة اللي كانت بتجري ورا لقمة عيشها، وأنا مش هيرتاح بالي إلا لما أشوف الكلب ده وهو بياخد جزاءه.. أنا اللي كشفت الخيط، وأنا اللي هشوف نهايته."
عاصم رفض في الأول عشان خوفه عليها، بس شاف في عينيها نظرة تانية خالص.. نظرة بني آدم مفيش حاجة باقية عليه. وافق، وجهزوا عربياتهم المصفحة، وتحركوا في ضلمة الليل على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.

الساعة 4 الفجر.. الضباب مالي مينا إسكندرية، وصوت موج البحر بيخبط في رصيف الحاويات.
خالد كان واقف مع الراجل الغريب (المستورد المرتشي) قدام كونتينر ضخم مفتوح، ورجالته بيحملوا الصناديق في عربيات نقل كبيرة، والابتسامة مش مفارقة وشه.. كان حاسس إن الدنيا خلاص بقت في جيبه.
وفجأة.. النور الكشاف الكبير بتاع المينا كله اِقاد في وشهم مرة واحدة!
صوت فرامل عربيات مصفحة حاصرت المكان من كل اتجاه، ونزل منها رجالة عاصم المدججين بالسلاح.. وفي النص، ظهر عاصم الجارحي، بكامل هيبته، وبدلة سودا جديدة، وجنبه منى، واقفة ساندة طولها بالعافية بس عينيها زي الصقر.
خالد وشه جاب ألوان، والطبنجة اتزحلقت من إيده من الصدمة: "عاصم؟! مش ممكن.. أنت انضربت بمية رصاصة!"
عاصم قرب منه بخطوات هادية ترعب، وصوت جزمه على أسفلت المينا كان زي دقات ساعة الموت. وقف قدامه بالظبط، وبكل برود الدنيا قال له:
> "الرصاصة خدتها منى يا خالد.. البنت اللي أنت قلت إنها مكنتش في الحسبة. بس الحقيقة.. إن الحسبة من أولها لآخرها طلعت بتاعتها هي."
خالد بص لمنى برعب، وحاول يمد إيده على سلاح تاني مستخبي في ضهره عشان يغدر بعاصم للمرة الأخيرة، بس منى كانت أسرع.. رغم إصابتها، كانت مجهزة طبنجة صغيرة عاصم اِداهالها لظروف التأمين، وسحبت الأجزاء بـ إيد واحدة وضربت طلقة واحدة جت في رجله وقّعته على ركبه بيصرخ في الأرض.
عاصم بَص لخالد وهو قرفان، ومحبش يلوّث إيده بيه قدام رجالته. أشار لدراع أمن الدولة اللي كان عاصم مبلّغهم ومرتب معاهم بالورق المزور والشحنة المهربة: "خلوه يعفن في ليمان طرة.. الخاين ملوش دية عندي غير إنه يموت بالبطيء وهو شايف كل اللي بناه بيتهد."

بعد سنة كاملة..
المطعم الشيك اللي في الزمالك اتغير حاله. اليافطة اللي برة بقا مكتوب عليها **"مطعم ومجموعة منى الجارحي"**.
عاصم الجارحي دفع كل ديون منى، وعالج والدتها في أكبر مستشفيات برة مصر، ومكتفاش بكدة.. اشترى المطعم كله من صحابه الأجانب، وكتبه باسم منى، وبقت هي المديرة وصاحبة المكان، بس المرة دي مبقتش بتلبس لبس الويتر المتبهدل.. بقت بتدخل بعربيتها المرسيدس الأحدث موديل، ولابسة أشيك طقم رسمي، والكل بيقفل لها تعظيم سلام.
في نفس الركن المتطرف، قعد عاصم الجارحي زي عادته، وطلب كاس المشروب بتاعه. منى راحت وقعدت قدامه على الطرابيزة، وبصت من القزاز الطويل على الشارع الهادي، وقالتله وهي بتبتسم:
"تصدق يا عاصم بيه.. ساعات بفتكر الـ 300 جنيه اللي كانت في محفظتي الليلة إياها، وأقول سبحان مغير الأحوال من حال لحال."
عاصم بصلها بكل احترام وفخر، ورفع كاسه ليها وقال:
"الدنيا بتدي ظهرها للي بيخاف يا منى.. وأنتِ قلبك كان ميت، وعشان كده بقيتي شريكتي في كل حاجة.. الحكاية قفلت على نظافة، واللي جاي كله بتاعنا."
**تمت

تم نسخ الرابط