اول ما فتحت باب شقتي شروق خالد
أول ما فتحت باب الشقة بمفتاحي، صوت صريخ أمي اللي يقطع القلب هز البيت كله.
سبت الشنط السفر التقيلة تترمي على أرض الصالة، وجريت بأقصى سرعتي ناحية المطبخ. لقيت مراتي، نيرمين، واقفة بكل جبروت فوق أمي الست العجوزة اللي عندها تمانية وسبعين سنة، وماسكة في إيدها معلقة خشب كبيرة وبتضرب بيها كأنها ماسكة سلاح تموت بيه. أمي كانت واقعة على الأرض مش قادرة تتحرك جنب كرسيها المتحرك اللي كان مقلوب. وفي النص ما بينهم، كانت نادية، البنت الشغالة اللي عندها ستة وعشرين سنة، رمية جسمها كله فوق أمي عشان تحميها بضهرها، والدم نازل خيط رفيع من جرح في قورتها.
زعقت بأعلى صوت عندي وجسمي كله بيترعش من الغضب: "ابعدي عنها!"
نيرمين لفت واتخضت صدمة عمرها. لكسر من الثانية، شوفت الرعب حقيقي في عينيها، بس في ثانية دارت كل ده وارتسمت على وشها ابتسامة ناعمة ومزيفة.
وقالت برقة مصطنعة: "طارق، حبيبي! أنت جيت بدري من السفر." وحطت المعلقة الخشب بالراحة على الرخامة. "أمك كانت جايلها نوبة عناد من بتوعها تاني، وكنت بحاول أربيها بس عشان تسمع الكلام وتتعدل."
#حكايات_شروق_خالد
أمي قفشت بكل قوتها في كم جلابية نادية، وجسمها الضعيف كان بيتنفض وهي بتطلع الكلام بالعافية والدموع في عينيها: "دي... دي كانت بتقفل عليا باب الأوضة الضلمة طول اليوم."
نيرمين ضحكت ببرود واستهزاء وقالت: "دي خرفت خلاص وعقلها فوت. أنت عارف العواجيز لما بيكبروا بيألفوا قصص وخيالات عاملة إزاي."
صدري ضاق وحسيت بنار بتغلي جوايا، وكان عندي رغبة عارمة إني أكسر البيت كله فوق دماغها. بس فكرت بعقلي، وطلعت الموبايل من جيبي بكل برود وطلبت البوليس والإسعاف.
الابتسامة المزيفة اختفت من وش نيرمين في ثانية وزعقت: "أنت بتعمل إيه بالظبط؟ أنت عايز تفضحني وتقل بكرامتي قدام الغرب؟"
رديت عليها بصوت واطي ومرعب: "لأ، أنتِ قمتِ بالواجب ده مع نفسك وزيادة."
وعلى ما المسعفين وصلوا وكانوا بيطمنوا على أمي ونادية، نيرمين كانت ماشية ورايا من أوضة لأوضة، وعمالة تبخ سم وتألف مبررات عشان تداري على مصيبتها.
وقالت: "أنت بقالك تمان شهور عايش في السعودية وسايبني عشان مشروع مصفاة البترول ده. أنت
#حكايات_شروق_خالد
معندكش أي فكرة عن العذاب والكابوس اللي أنا شفته هنا! أمك دي الست مستحيلة حد يستحملها، والشغالة الحرباية دي مكنتش بتعمل حاجة غير إنها تعبي دماغها وتألف أكاذيب عشان تبتزنا وتاخد مننا فلوس."
وهم بيسندوا نادية عشان تركب عربية الإسعاف، عيني جت في عينيها، وقالت لي بصوت حزين: "أرجوك... دور في علبة الخياطة الزرقا المستخبية في دولاب والدتك."
نيرمين أول ما سمعت الجملة دي، هجمت بغل وعمى عشان تسكت البنت، بس المسعف وقف في طريقها ومنعها بسرعة.
رد فعلها العصبي والمجنون ده عرفني كل حاجة: الموضوع أكبر بكتير من مجرد قسوة ومعاملة وحشة في البيت.
قبل ما أسافر، أمي كانت نقلت تعيش معانا بعد ما جاتلها جلطة خفيفة، ونيرمين حفت وحلفت إنها هتشيلها في عينيها وتقوم بكل حاجة لوحدها. ورغم كده، أنا صممت أشغل نادية معانا عشان تساعدها وتكون أيد تانية تحميهم هما الاتنين. نيرمين وقتها عملت خناقة ودراما وقلبت الدنيا، وقالت إن مصاريف الشغالة دي إهانة ليها ولقدرتها. ودلوقتي، السبب الحقيقي وراء غضبها زمان بقى واضح وضوح الشمس.
طول التمان شهور اللي فاتوا، كنت مشغول فوق ما أي حد يتخيل في الإشراف على مشروع مصفاة البترول الكبير في السعودية. نيرمين افتكرت إن المسافة البعيدة وشغلي اللي بياخد كل وقتي عموني، وخلوني معتمد عليها ومغفل وسهل يتضحك عليا. كانت دايماً بتتريق على أسئلتي الكتير عن مصاريف البيت، وتقولي أنت عندك فوبيا وشكاك لما صممت أركب نظام مراقبة وأمن حديث جداً قبل ما أسافر.
بس كان فيه معلومة مهمة جداً هي متعرفهاش: جوزها اللي استهونت بيه ده، قضا خمستاشر سنة من عمره بيصمم شبكات مراقبة صناعية معقدة وسرية للغاية.
#حكايات_شروق_خالد
الكاميرات المستخبية في الفيلا دي مكنتش مجرد شاشة بتعرض على الحيطة. دي كانت متبرمجة تشفر كل لقطة تلقائياً وترفع النسخ على سيرفر خاص وسري تحت تحكمي أنا وبس.