تحت الانقاض سما سامح

لمحة نيوز

أمي بصتلي لآخر مرة وصرخت سامحيني يا بنتي!. وبعدها جريت وهي حاضنة أخويا الصغير، وسابتني محبوسة تحت الأنقاض.
سامحيني يا بنتي!
دي كانت آخر كلمة سمعتها من أمي قبل ما تختفي وسط تراب وغبار مالي المكان، وهي واخدة أخويا الصغير اللي لسه عنده سنة في حضنها وبتجري.
وأنا...
فضلت محبوسة تحت الأنقاض.
كان عندي حداشر سنة.
لفترة طويلة فضلت أسأل نفسي هل ممكن كلمة واحدة توجع أكتر من حمل بيت كامل بيتهد فوق دماغك؟
في اليوم ده عرفت إن الإجابة... آه، ينفع.
الموضوع كله بدأ في يوم سبت عادي جداً زي أي يوم في بيتنا في شبرا.
كنت عمالة أخانق أخويا الصغير عشان مصمم يقرقض الأقلام الألوان بتاعتي.
يا ماما، شوفي ابنك فاكر الأقلام مصاصة! قولت بزهق.
أمي، فاطمة، ضحكت من قلبها وقالت
ما تخلصوا بقا، إنتوا الاتنين ولادي.
ماشي... بس هو العصفورة بتاعتك وحبيبك.
قربت مني وطبطبت على راسي وهي بتضحك
بلاش غلبة وأفلام هندي يا ندى.
كانت دايماً تقولي كده عشان شايفاني دراما شوية وبأفور. لو اتخربشت خربوش صغير، بعمل مناحة كأني اتكسرت.
بس كان فيه حاجة عمري ما قولتهالها.
من ساعة ما عرفت بالصدفة إني متبنية، وأنا عايشة في رعب مستخبي جوايا.
مش عشان بابا وماما كانوا بيعاملوني وحش.
بالعكس، عمرهم ما حسسوني بفرق.
دايماً غمرني بحنيتهم واهتمامهم، وعملوا لي أحلى عيلة.
بس كان فيه صوت جوايا مش عارفة أسكته واصل لدرجة الوسواس
لو جه يوم واتحطوا في إختيار... هيختاروا ابنهم اللي من دمهم.
عمري ما اتجرأت أنطق الكلام ده بصوت عالي.
كنت بتكسف من نفسي ومن أفكاري دي اللي ملاحقاني طول الوقت.
واحنا بنجهز الغدا، لقيت الأرض بدأت تتهز من تحتنا.
في الأول قولت ده أكيد لوري تقيل معدي في الشارع.
بس ثواني ولقيت الكوبايات بتقع من المطبخ وتتكسر.
والنجفة بتاعة الصالة بدأت تتهز جامد يمين وشمال.
زلزال! زلزال! اخرجوا بسرعة! صوت بابا، طارق، وهو بيصرخ من المنور.
كل حاجة حصلت في لمح البصر.
الحيطان كانت بتشرخ وتطقطق.
العفش بيتحرك من مكانه.
والسقف حسيته بيميل فوق رؤوسنا وهيقع.
أمي خطفت أخويا الصغير في حضنها.
جريت عليهم عشان أتشعلق فيهم.
وفجأة... كمرة خرسانة ضخمة وقعت وفصلت بيني وبينهم.
حسيت بخبطة غشيمة عمت عيني.
وبعدها...
سواد كحل.
مش عارفة فات قد إيه عقبال ما بدأت أفوق.
النفس كان بالعافية، يادوبك بشم الهوا بالعافية.
رجلي كانت مزنوقة ومش عارفة أحركها.
ودماغي بتلف بيا.
وفي وسط كل ده، سمعت صوتها.
سامحيني يا بنتي!
رفعت عيني بصعوبة ومن بين التراب، لمحت أمي الناحية التانية من الردم.
كانت عاصرة أخويا الصغير في حضنها وقفلة عليه.
عينيها كانت غرقانة دموع...
ومكنتش أعرف وقتها إن القرار اللي خدته ده، هيشقلب حياتنا كلها ومفيش حاجة هترجع زي الأول.
أمي لفت ضهرها وجريت. الصوت كان بيتباعد وأنا بصرخ ب ماما!، بس صوت صريخي كان بيتكتم تحت التراب.
فجأة، انقطع الصوت تماماً. ومفيش ثواني وسمعت هبدة مرعبة... السقف الباقي من البيت انهار كله.
قعدت تلات أيام تحت الأنقاض. تلات أيام عايشة على بق مية بيسيل من ماسورة مكسورة جمبي، وصوت لودرات ورجال الحماية المدنية بيحفروا فوقيا. كنت بموت في اليوم ألف مرة، مش من الوجع، من فكرة إن الصوت اللي جوايا طلع صح سابوني عشان أنا مش بنتهم.
في اليوم الثالث، النور دخل عيني أخيراً. رجالة المطافي شدوني، وكنت شبه ميتة. أول ما فتحت عيني في المستشفى، لقيت بابا طارق قاعد جمبي، شعره شاب كله في تلات أيام، وعينيه دبلانة.
بصيت له ودموعي نازلة ماما سابتني يا بابا.. عشان أنا مش بنتها، صح؟
بابا انهار، مسك إيدي وباسها وهو بيعيط بحرقة لا يا ندى.. متقوليش كده،

تم نسخ الرابط