حقد الجدة سما سامح
"ابنك أكل في الحوش بره عشان يعرف مقامه كويس ويتربى."
مريم سمعت الجملة دي في الفيديو وقلبها وقف من الصدمة.
بس قبل الجملة دي بـ 40 دقيقة، مكنتش تعرف أي حاجة خالص.
كل اللي شافته هو ابنها سيف، اللي عنده 8 سنين, وهو داخل من باب الشقة ورجليه بتترعش، وعينيه منفوخة من العياط، وعلى وشه ابتسامة باهتة ومكسورة بيحاول يدراي بيها وجعه.
الواد كان راجع من "لمة العيلة" الأسبوعية في بيت جده وجدته في شبرا، اللمة اللي العيلة كلها بتتجمع فيها كل جمعة، والكل بيقعد يتمنظر ويقول إن الأحفاد كلهم غلاوة واحدة ومفيش تفرقة بينهم.
المفروض إنه كان رايح يقضي اليوم يلعب مع ولاد خالاته، وياكل كيكة، ويسمع هظار خيلانه.
لكن أول ما دخل، جري وحضن وسط أمه وهمس بصوت مخنوق:
— ماما… تيتة خلتني آكل بره في الحوش.
مريم افتكرت إنه بيتكلم عن ترابيزة محطوطة في الهوا بره عادي.
بس فجأة لقطت عينيها الجلد الأحمر والمحروق ورا رجليه!
— أنت قعدت فين يا سيف؟!
— على السلم الخرسانة اللي بره.. ولاد خالتي أكلوا جوه في الصالة عشان التكييف كان شغال.
سيف وطى راسه في الأرض وهو مكسوف، وكأنه هو اللي عمل مصيبة أو ذنب.
وقبل ما مريم تمسك تليفونها وتكلم أمها وتخرب الدنيا، لقت رسالة جاية لها من أبوها، الحاج صلاح.
كان فيديو مدته 6 دقائق.
ومكتوب معاه رسالة: "اتفرجي عليه كله للأخر قبل ما تتصلي وتتخانقي."
مريم جابت مرهم حروق ودهنت رجلين الواد، وسقته بق ميه، وسابته في الصالة، ودخلت قعدت في المطبخ وداست "تشغيل" للفيديو.
الفيديو كان متباع كأنه توثيق للمة عادية: صواني الرز المعمر، والفراخ المشوية، وسلطات، وصوت الكاسيت شغال بأغاني أم كلثوم، والعيال الصغيرة عمالة تتنطط وتلعب في الحوش.
أول ما الأكل جهز واتحط، كل العيال جريت ودخلت الشقة عشان تقعد على السفرة.
سيف كان ماشي وراهم بكل براءة.
راحت الحجة إلهام، جدته، واقفة له في الطرقة ومنعته يدخل:
— لأ أنت لا.. مفيش مكان خلاص، الكراسي خلصت.
مع إن السفرة كان واضح جداً إن عليها كرسيين فاضيين!
الحجة إلهام غرفت له حتة فرخة وشوية رز في طبق فل، وخرجت بيه للحوش وشاورت له على السلالم اللي بقالها ساعات تحت شمس شهر ستة الحارقة.
— اقعد كُل هنا.. مش هتموت يعني، الجو بره حلو.
خالته "شيرين" واقفه ورا أمها، ولمحت المنظر، راحت ضاحكة بـ سخرية وقالت:
— أهو عشان يتربى ويعرف حده بعد كده.
بعد دقيقة، سيف قرب من سلك الباب وبص لجوه بندم:
— تيتة.. ينفع أدخل أشرب وأقعد معاكم؟
مسألش وهو زعلان أو متضايق.. سأل وعينيه كلها عشم وأمل.
— لأ! خلص طفاحك وبطل زن وقرف بقى!
الواد رجع قعد على الخرسانة السخنة ووطى راسه في الأرض بقلة حيلة.
في اللحظة دي، ظهر الحاج صلاح (أبو مريم) في الكادر وهو بيزعق:
— يا إلهام، اتقي الله.. والله العظيم هتندمي على اللي بتعمليه في الواد ده!
الفيديو خلص هنا.