حقد الجدة سما سامح

لمحة نيوز

​مريم بصت ناحية الصالة، لقت سيف قاعد قدام التلفزيون ومقرفص نفسه خالص، كأنه بيحاول يصغر حجمه عشان مياخدش مساحة من الدنيا وميزعجش حد.
​دمها غلي، ومبقتش شايفة قدامها.. خدت مفاتيح عربيتها وطارت على بيت أهلها.
​أول ما دخلت، لقت قعدة الفراخ والمشويات لسه شغالين، ومحدش فيهم على وشه علامة ندم واحدة، ولا كأنهم كسروا قلب طفل.
​الحجة إلهام استقبلتها بابتسامة صفرا ملوية:
​— أهلاً.. إيه اللي جابك دلوقتي؟
​مريم مَردتش.. رزعت التليفون في نص الترابيزة ووسط صواني الأكل وقالت بصوت يرعب:
​— كلكم هتشوفوا دلوقتي فضيحتكم واللي عملتوه في ابني!
​وداست تشغيل للفيديو..
​وقبل ما الـ 6 دقائق يخلصوا، في حد من القعدوا اتكلم، وفجر قنبلة كشفت إن الغل والكره ده من ناحية الجدة مش وليد النهاردة، وإن الموضوع وراه سر قديم قوي!
​
الصمت في الغرفة كان خانقاً لدرجة إن مريم كانت سامعة صوت ضربات قلبها في ودنها. الفيديو شغال على شاشة التليفون اللي في نص السفرة، والكل مسمر في مكانه، حتى الأكل اللي قدامهم فقد شهيته. شيرين، خالة سيف، وشها جاب ألوان، والحاجة إلهام واقفة متخشبة، وعينيها بتلمع بشرر غريب مش مجرد غضب، لأ.. ده كان "خوف" مكتوم.
وفجأة، قبل ما الفيديو يوصل للدقيقة السادسة، صوت اتنحنح بوضوح. كان الخال الأكبر، "عصام"، اللي كان دايماً بيلعب دور المحايد في العيلة. رمى المعلقة في الطبق بصوت خبطة حادة، وبص لأمه ببرود:
— "كفاية تمثيل يا يمة.. مريم لازم تعرف ليه إنتي بتكرهي سيف، مش عشان خاطر ابن جوزها ولا عشان أمه، الموضوع أبسط وأقذر من كده بكتير."
مريم التفتت لأخوها عصام وعينيها بتشرار: "أنت عارف؟ ساكت من إمتى يا عصام؟"
عصام اتنهد، قام وقف، وبدأ يفرك في إيديه بتوتر: "من يوم ما سيف اتولد. يا مريم، إنتي فاكرة إن أمي بتكره سيف عشان مش من "دم" العيلة الحقيقي؟ إنتي عارفة إن سيف ابن جوزك من جوازة تانية، ومريم اعتبرته ابنها من أول يوم.. لكن اللي متعرفيهوش، إن الحاجة إلهام طول عمرها بتكره "أبو" سيف، مش عشان قلة أدبه، لأ.. عشان هو الشخص الوحيد اللي عرف حقيقة "الدهب" اللي كان مخبيها أبوكي، الحاج صلاح، في خزنته من تلاتين سنة."
الحاج صلاح، اللي كان قاعد في ركن بيبص للفراغ، صوته طلع واطي ومتهدج: "عصام.. اسكت، دي حاجة ماتت ودفنت."
عصام ضحك ضحكة مهزوزة: "لا ما ماتتش يا حاج، الجدة إلهام حولت كرهها للراجل ده لسيف. هي شايفة في وش سيف "الراجل" اللي كشف كدبتها الأولى في العيلة، كأن الواد ده هو اللي دافع تمن خطيئة أمي وتآمرها على جدي زمان!"
هنا، انفجرت الحاجة إلهام، صوتها كان أشبه بفحيح الأفعى: "إنت تخرس خالص! أنا عملت اللي عملته عشان أحمي اسم العيلة ده، عشان محدش يفتكر إننا كنا شحاتين في يوم من الأيام! الواد ده.. ابن اللي فضحنا، كان لازم يتربى، لازم يحس إنه غريب عشان يعرف إن وجوده وسطنا منة مننا، مش حق ليه!"
مريم حست إن الدنيا بتلف بيها. هي مكانتش بتدافع عن طفل بس، هي كانت بتكتشف إن ابنها الصغير كان "كبش فدا" لصراعات قديمة وعقود من الحقد اللي ملوش أي ذنب فيه.
مريم بصت لأمها نظرة، مفيش فيها دموع، نظرة باردة كأنها بتشوف غريبة لأول مرة في حياتها: "يا ماما.. إنتي فاكرة إنك لما تذلي طفل وتخليه ياكل على السلم، بتنتقمي من أبوه؟ إنتي دمرتي روح بريئة.. إنتي مش بس خسرتي حفيدك، إنتي خسرتي بنتك النهارده."
شيرين حاولت تتدخل: "مريم اهدي، إحنا كنا بنهزر، الواد حساس زيادة.."
مريم قاطعتها بصوت هز أركان البيت: "يهزر؟ ده طفل عنده 8 سنين، بيسألني يا ماما ليه أنا مش زيهم، ليه أنا بآكل لوحدي؟ إنتي متخيلة الرعب اللي في عينيه؟ إنتي متخيلة إنه وهو قاعد بيعيط، كان بيظن إنه هو اللي وحش عشان جدته مش عايزاه؟"
فجأة، دخل الحاج صلاح في وسطهم، وخد التليفون وقفل الفيديو. وبص لمراته بنظرة كره لأول مرة في حياتهم: "إلهام.. أنا اللي صورت الفيديو ده. أنا اللي خليت الكاميرا تصور كل دقيقة، مش عشان أفضحه، بس عشان أوريكي "بشاعتك" اللي بقالك سنين مستخبية وراها. أنا اللي كنت ببعت لسيف حتة الفرخة وأنا اللي كنت بكلمه في التليفون من وراكم وأفهمه إن ده اختبار للناس، بس حتى أنا.. خنت الوعد، وسيبتك تعملي فيه كده عشان كنت خايف أواجهك."
البيت كله دخل في دوامة من الاعترافات المرة. طلعت حكايات عن توزيع الميراث، وعن فلوس اتسرقت من أيتام في العيلة، وعن جوازات اتفرضت بالإكراه. سيف الصغير، اللي كان في اللحظة دي واقف عند باب الشقة بيسمع كل كلمة، مكنش طفل بيتربى، كان طفل بيتحول لشاهد على انهيار عيلة كاملة.
مريم مسحت دموعها، بصت لأهلها اللي كانوا بياكلوا ويضحكوا قبل دقايق، وقالت بهدوء مرعب: "من اللحظة دي، سيف مش هيشوف وش حد فيكم تاني. لا في عيد، ولا في جمعة، ولا حتى في جنازة. إحنا هنبني حياتنا بعيد عن سمومكم، وعن ريحة الحقد اللي فاحت في الأكل اللي كنتوا بتطعموهولنا."
مريم مشيت، وخدت معاها كرامتها اللي كانت مهانة، وخدت ابنها اللي فهم -بشكل قاسي ومبكر- إن "الأهل" مش دايماً هما اللي بيخافوا عليك، وإن أحياناً، الغرباء بيكونوا أحن بكتير من دمك ولحمك.
قفلوا الباب وراهم، وسابوا وراهم "بيت العيلة" اللي مكنش غير مقبرة للمشاعر الإنسانية، وطلعوا للنور، لنفسهم، وللحياة اللي مفيهاش "سلم خرسانة" ولا "جدة بقسوة الحجر".
**تمت.**

تم نسخ الرابط