ام وطفل على سكه القطر سما سامح
صفارة القطر شقت سكون وقت الغروب، ولما محمد جِري ناحية الصوت، شاف مشهد مرعب لدرجة إنه عمره ما هيرجع زي الأول تاني.
في الظاهر، كان بعد الظهر عادي جدًا في أطراف مدينة طنطا بمحافظة الغربية.
محمد، فلاح أرمل عنده تلاتة وأربعين سنة، كان راجع لبيته الريفي الصغير وهو ماشي جنب شريط القطر القديم اللي بيعدي وسط غيطان الذرة ورا أرضه. جزمه كانت بتعفر التراب مع كل خطوة، وكأنها بتعزف لحن حياته البسيطة والهادية والمليانة ذكريات.
من ساعة ما مراته ماتت من تلات سنين بسبب مرض فجائي، وأيامه كلها شبه بعضها يصحى قبل الفجر، يشتغل في الأرض لحد ما الشمس تغيب ورا الغيطان، ويقضي الليل بطوله لوحده، ومبيونسوش غير مكالمات من وقت للتاني من بنته مريم اللي عندها اتناشر سنة، واللي بتدرس في المنصورة وعايشة طول الأسبوع مع جدها وجدتها لأمها.
بس في العصر الكئيب ده، الهدوء اتمزع حتت.
صرخة حادة ومرعوبة شقت الهوا.
مكنتش صرخة حيوان.
دي كانت صوت بني آدم، مليان رعب.
محمد وقف في مكانه ومتحركش لثانية.
بعدين سمع صرخة تانية، بس أضعف.
وبعدها على طول، صوت صفارة قطر بيقرب بأقصى سرعة.
من غير ما يفكر مرتين، بدأ يجري.
قلبه كان بيدق في صدره جامد.
الأرض كانت بتهتز تحت جزمه.
ولما لف مع لفة شريط القطر، اللي شافه خلى الدم يتجمد في عروقه.
بنت شابة كانت مربوطة فوق القضبان.
إيديها كانت متكتفة بحبل تخين، وواحدة من رجليها مربوطة بسلسلة حديد في قضيب القطر المصدي.
فستانها كان مقطوع.
وجسمها كان عليه علامات ضرب لسة جديدة.
شعرها الأسود كان منكوش ونازل على وشها، ومتبهدل بالتراب والعرق.
بس اللي خلى بطن محمد تكركب وحس بغصة في حلقة، هو البيبي الصغير اللي كانت ضماه على صدرها.
العيل الصغير، اللي كان ملفوف في حتة قماشة قديمة ودايبة، كان بيبكي بصوت ضعيف من كتر التعب.
صفارة القطر ضربت تاني.
المرة دي كانت أقرب بكتير.
لأ.. يا رب لأ.. محمد همس بالكلمات دي وهو بيجري بأقصى ما عنده.
رمى نفسه على ركبه جنب البنت.
اِهدِي! هطلعك من هنا! زعق بعلو صوته.
عيون البنت فتحت بالعافية.
بوس إيدك.. بنتي.. همست بصوت مكسور.
محمد طلع المطواة اللي دايماً شايلها في حزامه وبدأ يقطع الحبال.
القطر خلاص بقى قريب جدًا.
القضبان كانت بتهتز بعنف.
إيديه كانت بتعرق.
وسِكينة المطواة بتزحلق من إيده.
يلا! اخلص! برطم بقلة حيلة وهو هيموت من الرعب.
وأخيراً، الحبل اتقطع.
سلك إيديها.
بعدها عرف يفتح القفل المصدي بتاع السلسلة اللي ربطة رجلها.
أخد البنت والبيبي في حضنه ورمى نفسه بيهم وهو بيتدحرج برة القضبان.
بعدها بثانية واحدة، القطر عدى من قدامهم وهو بيزلزل الأرض.
هبة الهواء السخن خبطت فيهم بكل قوتها.
لكام ثانية، محمد فضل نايم على الحصى وهو بيلهث ونفسه مقطوع.
لسة عايشين.
البنت كانت حاضنة بنتها وهي بتتنفض من الخوف.
شكراً.. همست.
بس لما محمد بص في عينيها، شاف حاجة أعمق بكتير من الخوف.
كان فيه سر.
حاجة مرعبة لسة مكنتش جاهزة تحكيها.
محمد خدهم لبيته المبني من الطوب اللبن في أطراف القرية.
ولما وصلوا، كانت الشمس خلاص غابت ورا التلال.
جارتهم، الحاجة فاطمة، وهي ست أرملة عندها سبعين سنة وعايشة في البيت اللي جنبه، سمعت صوت الباب بيفتح فخرجت وهي ساندة على عكازها.
يا لهوي! يا حفيظ يا رب! صرخت أول ما شافت علامات الحبال في إيد البنت الغريبة إيه اللي حصل يا بني؟
لقيتها مربوطة على شريط القطر رد محمد وهو لسة مخدش نفسه حد كان عايز يموتها.
هما الاتنين سندو البنت وقعدوها على الكنبة القديمة في الصالة.
الحاجة فاطمة أخدت البيبي في حضنها بكل حنية.
البنت الصغيرة، اللي باين عليها مكملتش شهر، عيطت بصوت ضعيف كدة قبل ما تروح في النوم.
ومحمد واقف بيبص على البنت الغريبة وهي بتحاول تحبس دموعها، فهم إن الليلة دي مش هتعدي على خير،