قالولي ان اكل سما سامح
قالوا لي إن ماليش لزمة غير إني آكل من الزبالة، فعشان كده كبيت طاجن اللحمة في الباسكت ورفعت المعلقة... لحد ما أهلي الحقيقيين ظهروا على الباب واكتشفوا اللي اتعمل فيا على مدار تسعتاشر سنة.
أنا اتولدت بمشكلة واضحة جداً: كنت باخد الكلام على محمل الجد زيادة عن اللزوم.
لو حد قال لي "غوري من وشي"، كنت بمشي علطول.
لو حد قال لي "اخرسي"، كنت بكتم نفسي عشان ما أعملش صوت يضايقهم.
ولو الست اللي ربتني زعقت فيا وقالت لي: "طالما بتبلعي أكل كده، غوري كلي من الزبالة"... كنت بسمع الكلام.
طاجن يوم الأحد
يوم الأحد ده، صباح كانت لسه عاملة طاجن لحمة بالبطاطس. الحلة كانت على الرخامة وبتطلع دخان. أنا كنت بقالي يومين باكل عيش ناشف والحواف المحروقة من كفتة مفيش حد رضي يأكلها.
كنت غارفة لنفسي طبق صغير، صغير قوي.
صباح شافتني وبوزها اتلوى:
— بتطفحي تاني؟ إنتِ بلاعة مابتشبعش، يا ن those (يا عديمة الفايدة). ما تروحي تأكلي من زبالة المطبخ، هو ده اللي يليق بمقامك!
هزيت راسي موافقة.
أخدت الحلة كلها، ومشيت لحد باسكت الزبالة الكبير اللي في المطبخ، رفعت الغطا وكبيت الطاجن كله جواه. بعد كده طلعت معلقة من الدرج.
صباح اتسمرت في مكانها ومطقتش لمدة تلات ثواني. بعدها صرخت صرخة هزت شبابيك البيت:
— بتعملي إيه يا مقصوفة الرقبة؟!
— باكل من الزبالة —رديت عليها ببرود—. إنتِ اللي قلتي كده.
وطيت جمب الباسكت، غرزت المعلقة وسط الصلصة وقشر البصل والمناديل المتوسخة، وبالظبط وأنا رايحة أحطها في بوقي، صباح حطت إيدها على صدرها. وشها أزرقّ، ووقعت سانده على الحيطة وهي بتنهج ومش قادرة تاخد نفسها.
الزوار الأغراب
الجيران طلبوا الإسعاف. وأنا كنت لسه واقفة في المطبخ والمعلقة في إيدي، لما عربيتين سود كبار وقفوا قدام البيت القديم.
نزل من الأولى راجل طويل، لابس بدلة شيك وشعره غرقان شيب وقار. ومن العربية التانية، نزلت ست لارتدائها بالطو بلون عاجي وعينيها صافية وباردة زي الشتا. وراهم كانت فيه بنت في نفس سني، لابسة جزمة غالية، وماسكة شنطة صغيرة وعلى وشها علامات قرف.
الراجل دخل الأول. بص على المطبخ. بص على الباسكت. وبصلي.
المعلقة كانت بتهتز في إيدي شوية. أخد خطوة ناحيتي بس اتسمر في مكانه.
— نور... —قالها وصوته مخنوق كأن اسمي بيكسر حلقه—.. بنتي...
بربشت بعيني. مفيش حد قبل كده ناداني بكلمة "بنتي" بالنبرة دي.
الست حطت إيدها على بقها من الصدمة. عينيها نزلت على معاصم إيدي الرفيعة، وعلى كوتشيّ المقطوع، والمعلقة المتوسخة.
— هو إنتِ... بتاكلي من ده علطول؟ —الراجل سألني وهو مش مصدق.
وقبل ما أرد، البنت اللي شايلة الشنطة ضحكت ضحكة صفرا:
— بابا ما تبالغش، دي متربية هنا في مكان مقطوع، أكيد متعودة على الحاجات دي.
الست اللي لابس البالطو العاجي لفت راسها براحة وبصتلها بنظرة ترعب:
— متعودة؟
البنت وشها خطف ألوان:
— ماما، ما كانش قصدي...
الست ما سابتهاش تكمل. مسكتها من قفاها وضغطت على راسها نزلتها ناحية الباسكت، ما غطستهاش جواه بس قربتها كفاية عشان ريحة الزبالة تلطش في وشها.
— طالما شايفاه موضوع عادي يا فريدة، اشميه إنتِ كمان.
فريدة صرخت:
— ماما! سيبيني! إيه القرف ده!
— ما تقوليليش يا ماما دلوقتي —الست قالتلها—.. مش وإنتِ بتهيني بنتي اللي اتسرقت مني.
أنا رفعت المعلقة ناحية فريدة:
— عاوزة تأكلي؟ فيها لحمة.
فريدة بصتلي كأني حيوان:
— ابعدي عني يا مجنونة.
رجعت المعلقة مكانها:
— خلاص ما تقوليش بقى إن الواحد بيتعود.
حقيقة الـ 19 سنة
الراجل قلع جاكيت بدلته ولفني بيه. كان ريحته نظافة، وخشب غالي، ريحة كدا مش بتوجع.
— أنا عاصم المنشاوي —قال لي—.. أبوكِ. ودي ليلى، أمكِ. إحنا جايين ناخدك لبيتك.
بصيت له بهدوء:
— صباح بتقول إني ماليش بيت.
الست ركعت على ركبها قدامي، ومش فارق معاها الأرض المتوسخة:
— ليكي بيت يا بنتي.. إحنا بس اتأخرنا قوي عقبال ما لقيناكِ.
— لو ما أكلتش من الزبالة، صباح بتعاقبني —شرحت لها—. ساعات بتسخن كماشة حديد هنا على البوتاجاز وتقربها من رجلي. مش دايما بتلسعني.. بس بتعمل كدا لما تعوزني أتعلم الأدب.
المطبخ اتملى بسكوت تام. سكوت تقيل لدرجة إن صوت سرينة الإسعاف برة حسيت إنه بيبعد.
ليلى وقفت براحة وصوتها مرعب من الهدوء:
— فين الكماشة دي؟
شاورت على البوتاجاز. مشيت لحد هناك وفتحت درج تحتاني. طلعت كماشة سودة، طرفها محروق.
فريدة رجعت لورا:
— ماما، يلا نمشي أرجوكِ، المكان هنا يقرف.
ليلى بصت لها وقالت:
"اللي يقرف بجد، هو إنك عيشتي تسعتاشر سنة في بيتي ومن خيرنا، في الوقت اللي بنتي كانت بتموت فيه هنا."
عاصم مسكني من كتافي:
— مش لازم تشوفي أكتر من كده.
بس أنا فضلت باصة. كنت دايماً ببص. دي كانت الطريقة الوحيدة عشان أعرف الوجع هييجي إمتى.
الطريق إلى التجمع الخامس
ركبنا العربية السودة. في الكنبة اللي ورا، فريدة انكمشت في الزاوية بعيد عني، وكاتمة مناخيرها عشانهدومي كان ريحتها دخان ودهن وغم. وطول الطريق للقاهرة، عاصم وليلى حكوا لي الحقيقة.
أم فريدة الحقيقية كانت شغالة خادمة في بيتهم. ولما ليلى ولدت في مستشفى خاص، الست دي عملت هرجلة ودوشة في الدور وبدلتنا في الحضّانة. أنا سلموني لصباح، وفريدة ربوها على أساس إنها وريثة عيلة المنشاوي.
سنين ومحدش شك في حاجة، لحد ما فريدة كبرت. ما كانتش شبههم في أي حاجة، وبتعرف تكذب كويس قوي. بدأت تسرق فلوس فكة في الأول، وبعدين مبالغ كبيرة. عاصم شك وطلب تحليل DNA في السر.
فريدة ما طلعتش بنته.
أنا اللي بنته.
ليلى قالت إن أم فريدة الحقيقية ماتت من شهر في حادثة طريق، وعشان كده مش هيعرفوا يحاسبوها.
— بس صباح هنحاسبها —ليلى زودت في الكلام وعينيها كلها غضب.
وصلنا فيلا كبيرة في التجمع الخامس. فريدة نزلت وهي بتعيط:
— ماما، أنا كمان بنتك، إنتِ اللي ربتيني!
ليلى حتى مبصتلهش:
— اغسلي نفسك بخرطوم الجنينة برة قبل ما رجلك تلمس سجادي.
فريدة جزت على سنانها وهي حاسة بالإهانة.
أنا قعدت أتأمل البيت. كان واسع قوي، ونظيف زيادة عن اللزوم. سألت نفسي يا ترى المطبخ هنا فيه باسكت زبالة برضه؟
الصدمة الأخيرة
الليلة دي، وأنا بيبدلو لي هدومي بهدوم جديدة، الشغالة لقت حاجة جوة جيب بالطو فريدة: موبايل قديم، مكسور من الطرف.
عاصم شغله. كان عليه فيديوهات، رسايل، وفويسات.
فيه فويس اشتغل في الصالون، وصوته ملا المكان.
الأول طلع صوت صباح: