مكافئه كسبانه سما سامح

لمحة نيوز

​قبل يوم واحد بس من الميعاد اللي المفروض ينزلّي فيه مكافأة بـ 4,000,000 جنيه، مديرتي طردتني. قالت لي بضحكة صفرا وقذرة: "فلوسك وكودك بتوعنا، اتفضلي امشي من سكات". مجادلتهاش، هزيت راسي بكل برود، وزقيت عقد عملي على المكتب، وعملت مكالمة واحدة بس. بعد عشر دقائق، مديرة الشؤون القانونية كانت بتبص للشاشة المنورة والدم كله هرب من وشها. لفت للمدير التنفيذي برعب حقيقي وهمست له: "يا نهار أسود... قولي إنك دفعتلها فلوسها!"
​طحنّت نفسي في الشغل 80 ساعة في الأسبوع لمدة تلات سنين، عيني عمت من البص في الشاشات عشان أبني البنية التحتية الأساسية للشركة دي اللي قيمتها بمليارات الدولارات. وبكرة كان المفروض اليوم اللي هتنزلّي فيه أخيراً مكافأة الأسهم بتاعتي، الـ 4 مليون جنيه. 
​بس النهاردة، الساعة 9:15 الصبح بالدقيقة، اتطلبت في غرفة الاجتماعات (ج).
​مروة، نائب رئيس قسم الهندسة وأخت المدير التنفيذي، كانت قاعدة مصلوبة في أول التربيزة، وكان واقف جنبها فرد أمن ضخم زي الدولاب. أول ما خطيت عتبة الأوضة، زقت ناحيتي ظرف أبيض زي القشطة على التربيزة الخشب الماهوجني الغالية.
​قالت مروة بنبرة صوت فاضية وآلية كأنها بتسمّع كلام حافظاه: "تم إلغاء وظيفتك، والقرار يتنفذ فوراً".
​مبربشتش حتى، ومديتش إيدي للظرف. بدل كده، عيني راحت على الساعة الرقمية اللي على الحيطة. الساعة 9:16 الصبح. كان فاضلي بالظبط 23 ساعة و44 دقيقة على المكافأة اللي كانت هتغير حياتي.
​رديت عليها، وصوتي كان هادي وناعم زي الحرير بس قوي ميتكسرش: "تمام، فهمت. وأنا بفهم من كدة إن مكافأة نهاية الخدمة دي مستثنية "بالصدفة" مكافأة الأداء بتاعتي عن مشروع كايميرا؟"
​مروة ابتسمت ابتسامة صفرا كلها غل وتكبر وقالت: "المكافآت دي للموظفين اللي على القوة يا رانيا. الشركة بتغير اتجاهها، ومبقاش لينا عازة لإشرافك الهندسي خلاص".
​كانت فاكرة بجد إنها كسبت. كانت شايفاني مجرد موظفة ملهاش لزمة بيتخلصوا منها عشان يقللوا التكاليف قبل صفقة الاستحواذ اللي داخلين عليها. مكانتش فاهمة إن الكيان كله بتاع الشركة اللي بمليارات دي واقف على عمود قانوني واحد وضعيف، أنا اللي صممته بنفسي... وهي دلوقتي بتهد العمود ده بإيديها فوق دماغها.
​بكل برود مديت إيدي في شنطتي وطلعت ملف جلد تقيل ومتبهدل ورزعته على التربيزة برزعة ليها رنة تفرح القلب.
​مروة زعقت وقالت: "عايزة كارنيه الشركة وتليفون الشغل فوراً. الشركة بتملك كل فوتة لمستيها أو كود كتبتيه في الـ 36 شهر اللي فاتوا. إنتي ماضية على تنازل الملكية الفكرية من أول يوم ليكي هنا".
​وقفت وقولت لها وأنا برجع بضهري على الكرسي وبكل أريحية: "فعلاً مضيت عليه، بس أنا كمان مضيت على البند 11 ج. ونصيحة من أختك، اقفلي بقك خالص دلوقتي يا مروة، وكلمي نهى، رئيسة الشؤون القانونية عندنا. دي الشخص الوحيد في البرج الإزاز ده اللي هيفهم الفرق المرعب والمخرب بين (الترخيص الدائم) و**(عقد البيع النهائي)**".
​مروة برقتلي، وكانت مهزوزة من جواها بسبب برودي وعدم خوفي اللي يرعب. راحت مسكت تليفونها وبدأت تكتب رسالة بعصبية.
​بعد عشر دقائق، نهى فتحت الباب الإزاز ودخلت، وكان باين على وشها الضيق الشديد: "في إيه يا مروة؟ أنا عندي تلات مكالمات دولية قبل الظهر. إيه المعطلنا؟ خلي الأمن يخرجها برة".
​مروة قالت باستهزاء: "رانيا رافضة تمضي على إخلاء الطرف ومكافأة نهاية الخدمة. وبتتلكك ببند قديم ومريب.. البند 11 ج".
​نهى تنهدت بملل، وفتحت التابلت بتاعها وطلعت ملف الموظف بتاعي وقالت: "يا رانيا أرجوكي، بلاش نصعّب الأمور على نفسنا وهي..."
​فجأة نهى سكتت في نص الكلام.
​صباعها وقف متثبت فوق الشاشة المنورة. بدأت تنزل لتحت ببطء شديد، وعينيها بتضيق. قرت الكلام اللي على الشاشة مرة.. وبعدين نفسها اتقطع وقرته تاني.
​الزهق والملل اختفوا من على وشها تماماً، وحل مكانهم نظرة ذهول ورعب وفراغ تام. وشها اتقلب وبقى لونه زي لون الرماد المبلول. شفايفها اتفتحت من غير ما تطلع صوت وهي بتقرا الصيغة القانونية المعقدة والقديمة اللي أنا صممت أحطها من تلات سنين.
​ولما نهى رفعت عينها وبصتلي، نظرة الشفقة والمظاهر الكدابة بتاعت الشركات دي اتمحت، ومبقاش في عينيها غير رعب صافي وخالص......"تفتكروا إيه السر المرعب اللي رانيا مخبياه في البند 11 ج وقادر يهد شركة بمليارات في ثواني؟ وهل مروة هتركع وتدفع الـ 4 مليون جنيه ولا العناد هيوديهم في داهية؟" 

نهى فضلت متنحة للشاشة، والتابلت كان هيقع من إيدها من كتر الرعشة. لفت لمروة وصوتها طالع مخنوق كأن حد كبس على نفسها: "مروة... إنتي مضيتيها على إخلاء الطرف خلاص؟ قوليلي إنك ممضتيهاش!"
مروة ضحكت باستخفاف وقالت: "تمضي إيه يا بنتي! دي بتدلع، الأمن واقف برة وهيخرجها حالاـ..."
"أمن مين يا غبية! الشركة دي هتقفل بكرة!".. نهى زعقت بعلو صوتها لدرجة إن الإزاز بتاع الأوضة اتهز، ومروة اتصدمت ومبقتش فاهمة حاجة.
### الكارثة اللي في البند 11 ج
نهى لفت التابلت ووشها بقى في نص هدومها وقالت لمروة وهي بتشاور بصابعها اللي بيترعش:
"اقري يا عبقرية.. رانيا لما جت تمضي العقد من تلات سنين، حطت بند صغار المحامين مياخدوش بالهم منه. البند بيقول إن الكود اللي صممته لـ **(مشروع كايميرا)** مش ملكية فكرية للشركة كبيع نهائي.. ده **(ترخيص استخدام دائم)** مشروط باستمرار عملها في الشركة!"
مروة بلعت ريقها وقالت بغباء: "طب ما هو دائم اهو! يعني نستخدمه براحتنا حتى لو مشيت."
نهى صرخت فيها: "يا غبية كملي الجملة! (مشروط باستمرار عملها، وفي حال إنهاء خدمتها تعسفياً أو بدون سبب قانوني موثق، **يلغى الترخيص فوراً**، وتتحول ملكية الكود بالكامل لرانيا، ويحق لها حجب الخدمة ومقاضاة الشركة بتهمة سرقة الملكية الفكرية)!"
الأوضة فجأة بقى فيها صمت رهيب.. مروة بدأت تفهم حجم المصيبة. مشروع كايميرا ده هو العصب بتاع الشركة، هو السيستم اللي قايم عليه كل الشغل، ومن غيره الشركة متسواش تلاتة مليم، وصفقة الاستحواذ اللي بمليارات الدولارات هتطير في الهواء بكرة الصبح!
### اللعب على المكشوف

تم نسخ الرابط