ابني ضاع من 20 سنه سما سامح
كنتُ في الخمسين من عمري.
ومنذ عشرين سنة، فقدتُ ابني على ذلك الطريق.
اختفى ابني أحمد عام 2006 عند إحدى الاستراحات على طريق صحراوي طويل.
كان عمره وقتها سبع سنوات فقط.
سبع سنوات.
وحتى اليوم ما زلت أسمع صوته وهو يطلب مني زجاجة مياه غازية في ذلك اليوم.
دخلتُ إلى الكشك لدقائق معدودة لأشتريها له.
ربما أقل من ذلك.
وعندما التفتُّ خلفي...
كان أحمد قد اختفى.
هكذا ببساطة.
من دون صراخ.
من دون شهود.
ومن دون أي تفسير.
بحثت الشرطة عنه لأسابيع طويلة.
ثم لأشهر.
ثم أُغلق الملف تدريجيًا، ووُضع في أحد الأدراج المنسية، بينما كانت حياتي أنا تنهار ببطء عامًا بعد عام.
الناس يقولون إن الزمن كفيل بأن يجعلنا نتجاوز الأحزان.
لكن أمّ الطفل المفقود لا تتجاوز شيئًا.
هي فقط تتعلم كيف تعيش وهي تحمل وجعها كل يوم.
بعد مرور عام على اختفاء أحمد، لم أستطع أن أسلك ذلك الطريق مرة أخرى.
كان يخنقني.
كل لافتة.
كل محطة وقود.
كل شجرة على جانبي الطريق.
كانت تذكرني باللحظة التي أدركت فيها أن ابني اختفى من أمام عيني.
لكن يوم الثلاثاء الماضي، غيّر جهاز الملاحة مساري بسبب حادث على الطريق الرئيسي.
ومن دون أن أنتبه، وجدت نفسي أسير مرة أخرى في الطريق نفسه.
كان صدري يضيق مع كل كيلومتر أقطعه.
وبعد مسافة ليست بعيدة، انفجر الإطار الخلفي للسيارة فجأة.
اهتزت السيارة بعنف.
وبصعوبة تمكنت من التوقف على جانب الطريق.
وعندها انفجرت بالبكاء.
ليس بسبب الإطار.
بل بسبب كل شيء.
بسبب عشرين سنة من الأسئلة بلا إجابات.
بسبب الشعور بالذنب.
وبسبب الألم الذي لم يرحل يومًا.
عندها رأيت رجلاً يخرج ببطء من بين الأشجار.
كانت ملابسه بالية وممزقة.
ومعطفه يبدو أقدم من أن يقيه برد الشتاء.
أما يداه فكانتا خَشِنتين كأنهما قضتا عمرًا كاملًا في العمل الشاق.
لم يسألني عن شيء.
ولم يتحدث كثيرًا.
اكتفى بإيماءة بسيطة، ثم بدأ يغيّر الإطار وكأنه فعل ذلك آلاف المرات من قبل.
راقبته بصمت بينما كانت الرياح تحرك الأشجار من حولنا.
وعندما انتهى، مسح يديه في بنطاله القديم، ثم نظر إليّ مباشرة.
ولن أنسى تلك العينين ما حييت.
عينان متعبتان.
حزينتان.
ومحمّلتان بألم عميق.
قال بصوت خافت
خلي بالك من نفسك يا منى.
تجمد جسدي كله في مكاني.
أنا لم أخبره باسمي.
أبدًا.
وقبل أن أتمكن من سؤاله أي شيء، استدار ورحل بين الأشجار.
بقيت واقفة عاجزة عن الحركة.
ثم عدت إلى السيارة وأنا أرتجف.
وهناك رأيتها.
على المقعد المجاور.
صورة بولارويد قديمة باهتة.
تعود إلى عام 2006.
طفل صغير يرتدي قميصًا أحمر ويبتسم للشخص الذي يلتقط الصورة.
كان ابني.
أحمد.
لكن هناك شيئًا مستحيلاً.
لم أرَ تلك الصورة في حياتي من قبل.
أبدًا.
وعلى الحافة البيضاء للصورة كان هناك عنوان مكتوب بخط يد مرتجف.
عنوان يبعد أقل من ساعة بالسيارة.
بدأ قلبي يخفق بعنف حتى ظننت أنني سأفقد وعيي.
أمسكت هاتفي فورًا وأجريت مكالمة فيديو مع مأمور المركز.
الرجل نفسه الذي أغلق قضية أحمد قبل عشرين عامًا.
وكان الآن يشغل منصبًا مهمًا في المحافظة.
أريته الصورة.
فشحب وجهه فجأة.
ثم قال جملة جعلت معدتي تنقبض من الخوف
يا منى... مهما حصل... أوعي تروحي للعنوان ده.
لكنه قالها متأخرًا.
لأنني كنت قد وصلت بالفعل.
كانت يدي ترتجف وأنا أقترب من باب المنزل.
ثم...
انفتح الباب ببطء من الداخل.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
خانَتني قدماي وسقطتُ في مكاني.
الجزء الثاني والأخير
سقطتُ على ركبتي فور أن انفتح الباب.
لأن الرجل الذي وقف أمامي...
كان يحمل وجه أحمد.
ليس كما أتذكره طفلًا.
بل كرجل في السابعة والعشرين من عمره.
نفس العينين.
نفس الابتسامة الخجولة.
حتى الشامة الصغيرة بجوار أذنه اليسرى.
توقفت الدنيا كلها حولي.
أما هو فبدا وكأنه رأى شبحًا.
تراجع خطوة للخلف وهمس
أمي...؟
عندها فقط فقدت وعيي.
عندما استيقظت كنت على أريكة داخل المنزل.
أحمد يجلس أمامي.
حقيقي.
من لحم ودم.
لم يكن حلمًا.
ولا هلوسة.
ولا شخصًا يشبهه.
كان ابني.
بعد عشرين سنة كاملة.
بكينا لساعات.
لكن كلما سألته ماذا حدث...
كان وجهه يزداد شحوبًا.
وكأنه يحمل سرًا أثقل من أن يُقال.
ثم أخبرني الحقيقة.
الحقيقة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي.
في يوم اختفائه...
لم يخطفه غريب.
ولم تقتله عصابة.
ولم يهرب.
الشخص الذي أخذه كان مألوفًا له.
شخصًا يعرفه جيدًا.
شخصًا وثق به.
شخصًا كان يراه باستمرار.
مأمور المركز نفسه.
الرجل الذي قاد التحقيق بعد اختفائه.
في البداية ظننت أن أحمد مرتبك.
لكن بعدها أخرج صندوقًا خشبيًا قديماً من تحت السرير.
وفي داخله كانت توجد عشرات الصور.
وأشرطة فيديو.
ومستندات.
وأوراق رسمية مزورة.
وكلها تثبت كلامه.
اتضح أن المأمور كان جزءًا من شبكة ضخمة تتاجر بالأطفال منذ سنوات طويلة.
كان يختار أطفالًا من عائلات بسيطة أو من أماكن مزدحمة.
ثم يزوّر ملفاتهم ويجعل القضايا تختفي تدريجيًا.
وفي كل مرة كان هو نفسه يقود عمليات البحث.
لذلك لم يشك