في عيد ميلادها السبعين

لمحة نيوز

وأنا ببص للتورتة البايظة قدامي… عرفت إن اللي جاي عمرهم ما هيتوقعوه.
​الجزء الثاني والأخير: "الطبخة الباردة"

​في تمام الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي، كان الأستاذ شريف، محامي العائلة وعمر عينها، يجلس في صالون أمينة. نظر إلى وجهها الصارم، ثم إلى "التورتة" التي أصرت أن تتركها أمامه على الطاولة.

​لم يتكلم كثيرًا، فالإهانة كانت تفوح رائحتها في الغرفة.

​قالت أمينة بنبرة هادئة كهدوء المقابر:

— شريف.. البيت ده، والأرض اللي في القليوبية، ومحلات وسط البلد.. كل ده هيتغير وضعه تمامًا. بس مش هنحرمهم يا شريف.. الحرمان المباشر هيخليهم يرفعوا قضايا حجر ويقولوا "أمي خرفت". أنا عايزاهم يجروا ورا السراب وهم بيشكروني.

​ابتسم المحامي العجوز ضحكة خبيثة فهمت مغزاها أمينة، وبدأ القلم يخط الوصية الجديدة.. وصية "الفخ".

​الفخ الأول: الطعم

​بعد أسبوعين من ليلة عيد الميلاد المشؤومة، جمعت أمينة أولادها الثلاثة. دخلوا وهم يشعرون بوخز خفيف من الذنب، لكن الطمع كان دائمًا ينتصر. تفاجأوا بالسفرة عامرة بألذ الأكلات، وأمينة تجلس بكامل أناقتها وتستقبلهم بابتسامة صافية، كأن شيئًا لم يكن.

​كريم همس لمحمود: "ألم أقل لك؟ أمي قلبها أبيض، وبكلمتين هنصالحها".

​بعد تناول الطعام، أخرجت أمينة ثلاث حظائر (علب مخملية صغيرة) وقالت بنبرة حنونة:

— أنا فكرت في كلامكم.. وعرفت إنكم كنتوا بتهزروا معايا في عيد ميلادي عشان تعملوا فيديو. وأنا مسمحاكم. وعشان أثبتلكم ده، أنا كتبت وصيتي ووثقتها في الشهر العقاري.

​لمعت أعين الثلاثة. تابعت أمينة:

— البيت ده والشركة والأرض، مقسومين بينكم بالتساوي.. لكن، فيه "الكنز الأكبر".. دهب ستي وستكم، والفلوس السايلة اللي شلتها من ورا أبوكم في البنك. دول مش في الوصية.. دول للي هيثبت إنه يستحق "مفتاح الخزنة السرية" اللي في بيتي القديم.

​أخرجت من جيبها ثلاثة مفاتيح نحاسية متشابهة، وأعطت كل واحد منهم مفتاحًا.

— المفاتيح دي بتفتح الصندوق اللي فيه دليل الخزنة الكبيرة.. بس الصندوق مش هيتفتح إلا يوم وفاتي.. وكل ما حد فيكم يعمل معايا "عمل خير" أو يخدمني، هسجل له نقط في دفتر الخزنة.

​شهور الصراع: السباق نحو القاع

​انقلبت حياة الأولاد رأسًا على عقب. تحول الجحود إلى سباق محموم من النفاق اليومي.

  • ​محمود، الذي كان لا يزورها إلا في الأعياد، أصبح يأتي كل صباح ومعه طبيب خاص للاطمئنان على ضغطها، بل وأجبر زوجته على طبخ ما تشتهيه أمينة يوميًا.
  • ​نادية، نقلت بناتها ليعشن مع أمينة لخدمتها، وكانت تغسل قدمي أمها وتقبلها أمام الكاميرات (لتغيير الصورة الذهنية بعد فيديو التورتة).
  • ​كريم، استغل "بر الوالدين" الجديد ليصنع محتوى على السوشيال ميديا، فصوّر عشرات الفيديوهات وهو يقبل يد أمها ويشتري لها الهدايا الثمينة، هادفًا لجمع النقط وفي نفس الوقت كسب المشاهدات.

​وأمينة؟ كانت تجلس كالملكة على عرشها. تشاهد نفاقهم بدموع محبوسة، ليس حزنًا عليهم، بل سخرية من قدرة المال على تحويل المسوخ إلى حملان وديعة. كانت تسجل في "الدفتر" كل شيء، وتجعلهم يوقعون على كل خدمة يقدمونها باعتبارها "تبرعًا بدون مقابل".

​استمرت اللعبة ستة أشهر كاملة. كانت أمينة قد استعادت صحتها بفضل الرعاية الفائقة التي وفروها لها طمعًا في المال، لكنها في ليلة هادئة من شهر أكتوبر، نامت أمينة عبدالعال.. ولم تستيقظ.

​يوم الحساب: قراءة الوصية

​في مأتم مهيب، تباكى الأولاد الثلاثة أمام الكاميرات والناس. وبمجرد انتهاء العزاء، هرعوا إلى منزل شبرا، يرافقهم المحامي أستاذ شريف.

​كانت عيونهم تشتعل رغبة في معرفة من الفائز بـ "الكنز الأكبر".

​جلسوا في الصالون، ففتح المحامي حقيبته وأخرج الصندوق النحاسي. تقدم محمود بمفتاحه، فتح الصندوق.. فوجدوا داخله رسالة بخط يد أمينة، ومجموعة من الأوراق الرسمية.

​قال المحامي: "سأقرأ أولاً وصية العقارات والأرض".

تنحنح وقرأ:

​"أنا أمينة عبدالعال، أوصي بأن تباع كل أملاكي من بيوت وأراضٍ وعقارات، ويخصص ريعها بالكامل لبناء (مستشفى رعاية المسنين مجانًا)، باسم مستشفى أمينة عبدالعال.. ولا يحق لأولادي محمود ونادية وكريم ليرة واحدة منها."

​صعق الثلاثة، وصرخ محمود: "دي خرفت! إحنا معانا مفاتيح الكنز! الدهب والفلوس السايلة!"

​نظر إليهم المحامي بنظرة باردة وأخرج الرسالة التي بخط يدها وقرأها:

​"إلى أولادي الأعزاء.. محمود ونادية وكريم.

لو كنتم تقرأون هذه السطور، فاعلموا أنكم عشتوا الستة أشهر الماضية كبشر حقيقيين لأول مرة في حياتكم. نظفتم، وخدمتم، وصرفتم من أموالكم عليّ طمعًا في كنز.

الكنز الحقيقي هو أنني جعلتكم تدفعون ثمن كل دقيقة ألم وعزلة عشتها بسببكم. الفلوس السايلة والذهب؟ لقد بعت الذهب وصرفت الفلوس بالكامل خلال الستة أشهر الماضية لشراء الأجهزة الطبية للمستشفى الجديد.

أما المفاتيح التي في أيديكم.. فهي تفتح الدولاب القديم في المطبخ.. ستجدون هناك (التورتة الرمادية) البايتة التي قدمتموها لي في عيد ميلادي السبعين.. لقد جففتها وحفظتها لكم جيدًا.

كلوا منها الآن.. فأنتم أخيرًا تملكون ما يشبه قلوبكم."

​النهاية

تم نسخ الرابط