أمك ماتت والعياط مش هيرجعها
"أمك ماتت… والعيط مش هيرجعها—فامسحي وشك، وادخلي حضّري العشا، وحاولي متبانيش زي واحدة لسه راجعة من جنازة لما ضيوفي يوصلوا."
الكلام ده قاله جوزي بعد ما رجعت من المدافن بساعتين… ولسه ريحة الورد لازقة في هدومي، ولسه صوت التراب وهو بيقع على نعش أمي بيرن في وداني.
ورغم الصدمة… ورغم الدموع… ورغم ضحكته اللي كانت مالية البيت وهو بيستخدم أطباق هي اللي جابتهالنا في جوازنا… وقفت وطبخت للعشا اللي هو رفض يلغيه.
لحد ما عربية سودا وقفت قدام البيت… ونزل منها مديره… أول ما شاف وشي المنفوخ من العياط، قال جملة خلت المكان كله يسكت:
"كل الناس المهمة في البلد دي عارفة مين كانت حماتك… إلا إنت."
كنت لسه راجعة من المدافن من أقل من ساعتين. أمي… "أمينة عبد الرحمن"… كانت لسه متدفنة، وكل اللي كنت محتاجاه إني أقفل على نفسي الأوضة وأعيط في هدوء.
لكن "مروان"، جوزي، رمى أكياس الأكل قدامي وقال لي أبدأ أطبخ.
عشا احتفال بترقيته… زمايله جايين. قالها كأن دفن أمي كان حاجة مزعجة في جدول يومه… مش اليوم اللي خسرت فيه الشخص الوحيد اللي كان شايل البيت ده من غير ما حد يحس.
لما شغله كان بيقع… معاش أمي كان بيكفينا. ولما الدنيا كانت بتزنق… كانت بتديني فلوس في إيدي وتقولي "خليهم معاكي احتياطي".
التراب لسه طري على قبرها… وهو عايز محشي، وفراخ مشوية، ومكرونة بشاميل… لناس بتضحك بصوت عالي على هزار ملوش لازمة.
وبعدين بص على صورتها المعلقة في الصالة وقال إنها "مبوظة شكل المكان".
قلت له بهدوء: "الصورة هتفضل مكانها."
فضلت أمي في صورتها… بابتسامتها الهادية… واقفة جنب السفرة. بص لي باستغراب… كأنه مش متعود إني أرد أصلاً.
وقفت أقشر بطاطس عند الحوض اللي كانت بتغسل فيه الخضار. حضّرت السفرة بأطباقها اللي جابتها لنا. ولما لبس قميصه وكشرته المزيفة بقت جاهزة، البيت بقى شكله مثالي…
سفرة متوضبة… شمع… أكل جاهز… وصورة أمي فوقهم… الحقيقة الوحيدة في المكان.
قبل ما يفتح الباب، قال لي: "ظبطي وشك… ومش عايز إحراج قدام الناس."
مسكت الصينية بإيدي لحد ما صوابعي وجعتني… لأني فهمت أخيرًا إنه كان فاكر سكوته عليا معناه إني موافقة.
الضيوف جم… ضحك عالي… وبرفانات مالية الجو. ولا حد حتى قال "البقاء لله".
ودخلت "جينا"… شيك وبتتحرك بثقة زيادة… من النوع اللي عارف هو قريب من جوز واحدة قد إيه قبل ما حد يتكلم.
مروان قال لي: "اعمليلها طبق."
عملت… بس بعد ثانية واحدة… الطبق وقع واتكسر على السجادة.
جينا بصت على الجراڤي على جزمتها كأن المفروض كلنا نزعل عليها. ومروان لف عليا وابتدى يزعق… بنفس الأسلوب اللي بيحرجني بيه قدام الناس.
نزلت ألم الزلط… لأن لازم حد ينضف.
مسحت السجادة اللي أمي جابتها من زمان… والناس كلها مستنية أعتذر.
بس ما اعتذرتش.
وقفت وقلت بهدوء: "إنتي اللي وقعتي الطبق يا جينا."
بس كده… من غير مشهد… من غير خناق… مجرد الحقيقة.
وفجأة… الجرس رن تاني.
بس المرة دي كان صوته مختلف… تقيل… رسمي.
باب الشقة اتفتح… والسكوت نزل على المكان.
عربية سودا كانت واقفة بره… والمزيكا اتقفلت لوحدها.
دخل "الأستاذ حازم"… مدير الشركة… لابس بدلة خلت كل اللي في الأوضة شكلهم عاديين.
مروان جري عليه بابتسامة مصطنعة… وبيشرح له اللي بيحصل…
بس الأستاذ حازم ما بصّلوش.
بص على الأكل… السجادة… وبعدين عليا… واقف بالصينية… وصورة أمي ورايا.
مروان حاول يغطي الموقف وقال: "مراتي بس متأثرة شوية… يومها كان صعب."
الأستاذ حازم رفع إيده وقال: "أنا ما سألتكش."
سكت مروان في نص كلامه.
وبعدين مشي ناحيتي… مسك الصينية قبل ما تقع… وحطها على الترابيزة بنفسه.
وبص لي وسأل السؤال اللي محدش في البيت كان عايز يسمعه:
"إنتي بتعيطي ليه؟"
بصيت لمروان… هز راسه بمعنى "ما تقوليش".
بس المرة دي… ما سكتش.
رفعت راسي وقلت: "عشان لسه دافنة أمي من ساعتين."
المكان كله اتجمد.
ما حدش مسك كوباية… الكسوف ظهر في وشوشهم واحد واحد.
حكيت له بالقدر الكفاية… إن الأكل ده اتطبخ في بيت لسه فيه ريحة جنازة… وإن العشا ده حصل غصب عني…
وإن جوزي قال لي العياط مالوش لازمة… والضيوف أهم.
واحد بص في الأرض… جينا رجعت خطوة لورا… ومروان حاول يتكلم… بس سكت لما الأستاذ حازم بص له.
وبعدين… بص على صورة أمي.
تعرف عليها الأول… بعدين اتصدم… وبعدين غضب… بس بشكل أبرد وأخطر.
لف لمروان وقال:
"كل الناس اللي ليها قيمة في البلد دي عارفة مين كانت حماتك… إلا إنت."
وفي اللحظة دي… مروان بطل يبان متضايق…
وابتدى يبان عليه الخوف.
لأن المكان اللي كان فاكر إنه ملكه… ابتدى يفهم الحقيقة… قبله هو.
وساعتها… الصورة اللي على الحيطة ما بقتش مجرد صورة…
بقت شاهد… وأول حد بدأ يتكلم.
وساعتها… الصورة اللي على الحيطة ما بقتش مجرد صورة…
بقت شاهد… وأول حد بدأ يتكلم.
الأستاذ حازم فضل باصص للصورة ثواني… وكأنه بيسترجع سنين كاملة في دماغه.
وبعدين قال بصوت هادي… بس تقيل:
"دي مش بس حماتك… دي كانت أستاذتي."
المكان كله اتجمد أكتر…
حتى النفس بقى بيتحسب.
مروان حاول يضحك ضحكة بايخة:
"أكيد حضرتك تقصد حد شبهها…"
الأستاذ حازم لف له ببطء، وقال:
"أنا ما بغلطش في وشوش الناس اللي علمتني أكون بني آدم."
وسكت لحظة… وبعدين كمل وهو بيبص لي:
"أمك كانت السبب إني أبقى في المكان ده دلوقتي."
أنا وقفت… مش مصدقة.
عمري ما سمعت أمي بتحكي حاجة زي دي.
قال وهو بيقرب من الصورة:
"كنت طالب عادي… متهور… وكنت هترفد من الكلية.
كل الدكاترة رفضوني… إلا هي.
وقفت قدام العميد وقالت: الولد ده هينجح… بس ادّوله فرصة.
ولو ما كنتش أخدت الفرصة دي… كنت زماني ولا حاجة."
صوته بدأ يتهز لأول مرة: