طردها في عز المطر بكيس رز

لمحة نيوز

 وشغلت لمبة صفرا قديمة. المكان كله ريحته رطوبة وإهمال.
قربت من الكيس عشان تطبخ… لكن وهي بتفتحه، حسّت بحاجة ناشفة جواه. مدت إيدها وطلعت ظرف مقفول… ووقفت مكانها.
الظرف كان مبلول من بره، بس مقفول بإحكام. قلبها دق بسرعة وهي بتفتحه… ولما شافت اللي جواه…
فتحت أم حسن الظرف بإيد بتترعش، كانت متوقعة تلاقي كام باكو لبان أو حتى ورقة بكلمتين اعتذار باردين، لكن اللي شافته خلي عينيها تبرق بذهول.. الظرف كان جواه رزمة فلوس من فئة الـ 200 جنيه، ومعاها مفتاح فضي صغير، وورقة مطبقة بعناية.
​فتحت الورقة وقرأت كلمات مكتوبة بخط مهزوز وسريع، وكأن اللي كاتبها كان بيسابق الزمن:
​"سامحيني يا أمي.. كان لازم أمثل الدور ده قدام سمر وأهلها اللي مراقبين كل مليم. سمر مديونة لأهلها بمبالغ كبيرة وهما حاطين عينهم على ورثي ومنعيين عني حتى النفس. كيس الرز ده فيه (خمسين ألف جنيه) ده جزء من شقايا اللي شلتهولك في السر. والمفتاح ده بتاع شقة صغيرة أنا اشتريتها باسمك في العمارة اللي في أول المركز، بعيد عن عيونهم. بكره الصبح الساعة 10، استنيني عند المحطة، سواق تاكسي تبعي هييجي ياخدك.. أنا بحبك في السر يا أمي، وببوس رجلك، استحمليني كام يوم كمان لحد ما أخلص من الحبال اللي مكتفاني."
​دموع أم حسن نزلت وحرقت خدودها، بس المرة دي ما كانتش دموع كسرة، كانت دموع مختلطة برعب وفرحة وخوف على ابنها. قعدت على الكرسي وهي بتضم الفلوس والمفتاح لصدرها، لكن فجأة.. سمعت صوت خبط رزيق على الباب!
​المفاجأة الصادمة
​قلبها سقط في رجليها.. خبت الفلوس والظرف بسرعة تحت مرتبة السرير القديمة، وراحت تفتح وهي بتتسند على عكازها. لقت قدامها "سمر" ومعاها اتنين رجالة طوال بملامح قاسية.. إخواتها.
​سمر دخلت البيت بوقاحة وهي بتبص للقرف والرطوبة، وقالت بصوت حاد:
"فين كيس الرز اللي حسن ادهولك يا حماتي؟"
​أم حسن حاولت تتماسك: "رز إيه يا بنتي؟ أنا طبخته وأكلته، كنت هتموت من الجوع."
واحد من إخوات سمر زق الكرسي برجله وقال بغل: "ماتضحكيش علينا يا ولية يا كركوبة.. حسن كان متوتر وهو بيديكي الكيس، وإحنا عارفين إن حسن مخبي قرشين من ورا أختنا. انطقي الفلوس فين؟"
​بدأوا يقلبوا البيت.. يرموا الهدوم القديمة، يكسروا القلل الفخار، وأم حسن واقفة في ركن بتدعي ربنا يسترها. سمر قربت من السرير، ولسه بتمد إيدها تحت المرتبة.. النور قطع!
​خطة "الابن البار" الذكية
​في الضلمة، سمعوا صوت عربية فرملت قدام البيت بقوة. الباب اتفتح ودخل حسن، بس مكنش حسن "الضعيف" اللي شافته من ساعتين. كان معاه اتنين من رجالة الحارة اللي بيحبوه.
​حسن زعق بصوت زلزل الحيطان: "بتعملوا إيه هنا؟"
سمر اتصدمت: "حسن! أنت إيه اللي جابك؟ وبعدين إيه اللي في إيد أمك ده؟"
​حسن ولع كشاف موبايله، وطلع ورقة تانية من جيبه وقال ببرود مرعب: "اللي في إيد أمي ده حقها.. والرجالة اللي واقفين بره دول شهود على إنك دخلتي بيتها بالبلطجة. والورقة دي يا سمر.. دي قضية (تبديد) بالوصلات اللي أهلك مضوني عليها غصب، أنا بلغت البوليس إنهم بيثبتوني في بيتي."
​إخوات سمر خافوا، لأن حسن مكنش لوحده، شباب الحارة كلهم اتجمعوا على صوت "ستهم أم حسن". حسن قرب من أمه، وطى على إيدها باسها قدام الكل، وقال بصوت عالي:
"كيس الرز كان فيه رسالة.. بس مش ليكم، دي ليا أنا، عشان أفوق لنفسي. أمي اللي شالتني حافي مش هسيبها تعيش في الخوف ثانية واحدة."
​النهاية غير المتوقعة
​في لحظة درامية، حسن أخد أمه في حضنه وطلع بيها للعربية "الشيك" اللي كانت واقفة بره. بص لسمر وقال لها: "البيت ده هيتهد ويتبني من جديد مضافة للفقراء صدقة جارية، وأنتي.. ورقتك هتوصلك بيت أهلك، لأن اللي ملوش خير في أهله، ملوش خير في حد."
​وهما ماشيين في الطريق، والمطر لسه بينزل، أم حسن بصت لابنها وقالتله: "يا ابني أنا خفت عليك، الفلوس كتير والمخاطرة كانت كبيرة."
حسن ابتسم وطلع من جيبه "كيس رز" تاني خالص!
وقال لها: "عارفة يا أمي؟ الكيس اللي كان معاكي مكنش فيه غير 500 جنيه بس ورق فرط عشان سمر لو فتشتك، أما الفلوس الحقيقية والمفتاح والورقة.. أنا كنت بدلتهم ليكي في الشنطة القماش وأنتي مش واخدة بالك وأنا ببوّسك قبل ما تمشي من قدام البوابة.. أنا كنت عارف إنهم هيراقبوا الكيس، بس هما عمرهم ما هيتوقعوا إنك أذكى منهم."
​ضحكت أم حسن من قلبها لأول مرة من سنين، وأدركت إن ابنها "حسن" مكنش بس غني بالفلوس، ده كان غني بالصبر والذكاء.. والأهم من ده كله، إنه لسه "الواد اللي كان بيجري حافي في الغيط" وبيخاف على تراب رجل أمُه.
​وانتهت القصة وأم حسن نايمة في بيتها الجديد، وكيس الرز (الحقيقي) محطوط في المطبخ.. بس المرة دي عشان يطبخوا منه للغلابة اللي زيها.

تم نسخ الرابط