قضيت ليلة العيد لوحدي

لمحة نيوز

أمي بعتت لي رسالة : "ما تجيش البيت النهاردة." قضيت ليلة العيد لوحدي.. بس الناس اللي كانوا قاعدين على الطرابيزة اللي جنبي شدوا لي كرسي وغيروا حياتي كلها. وبعد 5 سنين، قدمتهم في فرحي بصفتهم "أهل العروسة".
"ما تجيش يا مايا،" أمي قالتها لي في التليفون ببرود. "أخوكي هاني جاي هو وخطيبته نيفين، ومش عاوزين دراما ونكد."
كنت واقفة في جراج العمارة في الدقي، وفي إيدي صينية بسبوسة كنت لسه عاملاها عشان أروح بيها. "دراما إيه يا ماما؟ أنا بس كنت بسأل هنتعشى الساعة كام!"
ردت عليا بحدة: "إنتي عارفة أخوكي بيبقى متضايق إزاي وإنتي موجودة، وأبوكي عاوز يشتري دماغه ويقضي ليلة هادية. خليكي عندك في شقتك."
سمعت صوت ضحكة هاني في الخلفية.. صوت عالي ودافي، صوت حد "من أهل البيت".. وأنا لأ.
قلت بكسرة: "يا ماما أنا بنتك!"
ردت: "إنتي كبرتي وشحطتي خلاص.. كل سنة وإنتي طيبة يا مايا." وتيت.. الخط قطع.
فضلت قاعدة في العربية لحد ما البرد أكل صوابعي. كنت مكسوفة أكلم صحابي أقولهم إن أهلي طردوني. سقت العربية ورحت ناحية وسط البلد، كنت ماشية وسط الزينة وأنوار الكريسماس وبيوت مليانة عائلات.
لقيت مطعم صغير هادي في ممر جنب طلعت حرب، معلق يافطة "مفتوح". دخلت، والويتر سألتني: "لوحدك يا آنسة؟" هزيت راسي ودخلت قعدت في ركن ضيق.
طلبت عشا وقهوة. جنبي كان فيه راجل وست كبار في السن، ومعاهم شاب في سني، كانوا بيضحكوا وبياكلوا "فتة" وبيهزروا. كنت باصة في طبقي ومنزلة عيني.. لحد ما الموبايل نور.
شفت "ستوري" أخويا هاني على إنستجرام: سفرة بيتنا، الشموع، والمناديل مكتوب عليها بجمال خط أمي: (هاني، نيفين، بابا، ماما). مفيش "مايا".
زوري وجعني، والدموع نزلت غصب عني.
فجأة سمعت صوت ست من الطرابيزة اللي جنبي بتقولي: "يا حبيبتي، مالك؟ إنتي كويسة؟"
مسحت وشي بسرعة وقلت: "أنا تمام، مفيش حاجة."
الراجل الكبير قام من مكانه وجالي بمنديل: "باين عليكي مش تمام خالص،" قالها بحنية. "أنا عمك محسن، ودي مراتي طنط فوزية، وده ابنا كريم."
كريم ابتسم لي ابتسامة هادية ومطمنة.
طنط فوزية قربت مني وقالت: "إنتي قاعدة لوحدك بمزاجك.. ولا حد غصب عليكي تكوني لوحدك؟"
صوتي اتهز وأنا بقول: "أمي قالت لي ما تجيش البيت."
وش طنط فوزية اتغير، وهزت راسها كأنها فاهمة الوجع ده كويس. وقالت بلهجة حاسمة: "يبقى مش هتاكلي لوحدك.. قومي يا بنتي تعالي اقعدي معانا."
"مش عاوزة أضايقكم والله.."
عم محسن رد: "تضايقينا إيه؟ ده إنتي نورتينا، تعالي يا بنتي."
لما جيت أحاسب، عم محسن شخط في الويتر وقال: "حساب الآنسة علينا يا ابني."
ترددت، بس قمت قعدت معاهم. طنط فوزية وسعت لي مكان جنبها، وكريم زق ناحيتي طبق العيش المحمص وقال: "إحنا طلبنا عيش كتير أوي، ساعدينا بقى في الأكل."
ضحكت غصب عني.. ضحكة صغيرة وخجولة، بس كانت حقيقية.
سألوني عن اسمي كأن اسمي ده حاجة مهمة. ما سألونيش "عملتِ إيه غلط عشان أهلك يطردوكِ؟" هما بس فتحوا لي مكان وسطهم.
وقبل ما نمشي، طنط فوزية كتبت رقمها على منديل وحطته في إيدي وقالت: "كلميني يا مايا.. مش عشان إحنا عزمناكي، لأ.. عشان إنتي تستاهلي يكون ليكي ناس بيحبوكي."
خرجت من المطعم، الهوا كان ساقع على وشي، بس قلبي كان دافي. في الوقت اللي أهلي كانوا بيقطعوا فيه "الديك الرومي" وبياكلوا، أنا كنت ماشية وماسكة المنديل ده في إيدي.. ولأول مرة من سنين، حسيت إني مرتاحة.
​مرت الأيام، والمنديل اللي عليه رقم طنط فوزية فضل في محفظتي كأنه "تميمة حظ". كنت خايفة أتصل، خايفة أكون حمل تقيل. بس في يوم الجمعة اللي بعده، لقيت تليفوني بيرن.. رقم غريب.
"أيوة يا مايا، أنا طنط فوزية. عملت محشي كرنب ولقيت الحلة كبيرة علينا، تعالي كلي معانا ولا هترجعي في كلامك؟"
​من اليوم ده، حياتي انقسمت نصين. نص فيه أهلي اللي بيفتكروني بس لما يعوزوا حد يساعد "نيفين" خطيبة هاني في تجهيزات شقتها، ونص فيه "بيت عم محسن". هناك، كان ليا كرسي ثابت، وصورة على الثلاجة مع صور كريم وأخته اللي مسافرة.
​التحول الكبير:
كريم مكنش مجرد "شاب لطيف"، كان مهندس شاطر جداً، ولما عرف إني خريجة تجارة وشغالة في سكرتارية بسيطة، قعد معايا ليالي يعلمني إزاي أطور نفسي في "التسويق الرقمي". كان بيقولي: "يا مايا، اللي أهله بيستغنوا عنه، لازم هو يستغنى عن احتياجه ليهم بنجاحه."
​بعد سنتين، بقيت مديرة قسم التسويق في شركة كبيرة. في الوقت ده، علاقتي بأهلي كانت "رسمية" لدرجة توجع. مكالمة كل شهر، وزيارة في العيد لمدة ساعة.. ساعة كنت بحس فيها إني غريبة، بيخبوا عني أخبارهم، وبيتعاملوا معايا كأني "ضيفة تقيلة" لسه ما اتجوزتش "والمفروض تداري خيبتها".
​نقطة التحول (المواجهة):
في يوم، ماما كلمتني وقالت لي بلهجة فيها مصلحة: "يا مايا، أخوكي هاني داخل في مشروع وعاوز سيولة، وإحنا عارفين إن مرتبك بقى كويس.. سلفيه القرشين اللي معاكي، إحنا أهلك أولى بيكي."
في اللحظة دي، افتكرت صينية البسبوسة والبرد في جراج الدقي. رديت بهدوء: "يا ماما، الفلوس دي أنا شايلاها عشان بجهز نفسي.. أنا انخطبت."
​البيت اتقلب. "انخطبتِ لمين ومن ورايا؟"
قلت لها: "للي فتحوا لي بيتهم يوم ما إنتي قفلتي بابك في وشي."
​ليلة الفرح (المشهد الماستر):
مرت 5 سنين على ليلة "ممر طلعت حرب". كنت واقفة قدام المراية بالفستان الأبيض، قاعة في فندق شيك على النيل. بابا وماما وهاني وصلوا، كانوا داخلين بوجوه مكسورة، متوقعين إني هجري عليهم وأقول "سامحوني" عشان يمشوا في جناحي.
​لكن الصدمة كانت لما المأذون سأل: "مين وكيل العروسة؟"
قمت وقفت، مسكت إيد "عم محسن" اللي كان لابس بدلة شيك جداً ودموعه في عينه، وقلت بصوت مسموع للقاعة كلها:
"وكيلى وأبويا اللي سندني لما كنت هقع، عم محسن.. وأهلي هما طنط فوزية اللي عوضتني عن حنية الأم، وكريم اللي كان سندي قبل ما يكون شريك حياتي."
​ماما كانت قاعدة في الصف الأول، وشها جاب ألوان وهي شايفة الغرباء واخدين مكاني في قلب "بنتها". هاني حاول يقرب يبارك لي، كريم وقف وقفة رجالة، سلم عليه ببرود وقال له: "نورت يا أستاذ هاني، اتفضل استريح مع الضيوف."
​الخاتمة:
في الكوشة، طنط فوزية ميلت عليا وهمست: "فاكرة المنديل يا مايا؟"
ضحكت والدموع في عيني وقلت لها: "المنديل ده هو اللي مسح دموعي ورسم لي حياة جديدة."
​أهلي فضلوا "أهل في البطاقة"، بس الناس اللي شدوا لي كرسي في مطعم زحمة، هما اللي بقوا "سكن الروح". العيلة مش بالدم يا جماعة.. العيلة باللي بيشيلك وإنت مكسور، مش اللي بيكسرك عشان يشتري دماغه.

تم نسخ الرابط