هي ريحتها فقيره

لمحة نيوز

​"هي ريحتها فقيرة!"
الجملة دي اتقالت بصوت عالي في نص المطعم… لدرجة إن أكتر من شخص لف رأسه ناحيتهم.
كنت قاعدة أنا وجاك في عشا بسيط بعد تلات شهور بس من بداية علاقتنا.
قررنا نحتفل في واحد من أفخم المطاعم في المدينة، وكنت متحمسة جدًا لليلة دي.
لكن اللي حصل بعدها… قلب الجو كله.
على الترابيزة اللي جنبنا كانت قاعدة تلات ستات واضح عليهم الثراء:
لبس أنيق، مجوهرات بتلمع، وطريقة كلام فيها ثقة زايدة.
أول ما الجرسونة قربت منهم، واحدة فيهم — لابسة عقد ألماظ ضخم — عملت حركة مبالغ فيها وهي بتقرب إيديها من مناخيرها وقالت بسخرية:
"بجد… حد حاس بالريحة دي؟
هي البنت دي ريحتها فقيرة حرفيًا… زي ريحة المواصلات العامة. هو صاحب المطعم بقى يشغّل أي حد وخلاص؟"
التانية بصتلها من فوق لتحت وقالت وهي بتضحك:
"سيبك من الريحة… شوفي الجزمة! باين إنها قديمة ومتهالكة.
شغالة هنا ومش قادرة تجيب جزمة محترمة؟"
أما التالتة فضحكت وقالت:
"أكيد عايشة على البقشيش… يمكن بتاكل بواقي الخبز من الترابيزات!"
ضحكهم كان عالي ومليان استهزاء…
والجرسونة؟ كانت صغيرة جدًا، يمكن في أوائل العشرينات.
وقفت مكانها للحظة وهي بتحط الأطباق، إيديها بترتعش ووشها احمر من الإحراج.
حاولت ترد… لكن الكلمات اختفت من بوقها، وعينيها لمعت كأنها بتحارب دموعها.
المطعم كله بقى ساكت.
الناس بصت في أطباقها وكأنها مش سامعة حاجة… لكن الحقيقة إن الكل كان متابع.
أنا نفسي مسكت الشوكة بقوة لدرجة إنها وقعت مني على الطبق من الصدمة.
وفجأة…
جاك زق الكرسي بتاعه ووقف.
صوت الكرسي وهو بيتحرك قطع الصمت اللي في المكان.
وبخطوات هادية لكنها مليانة ثقة… اتجه ناحيتهم.
كل العيون اتوجهت له في اللحظة دي.
لكن ولا واحدة منهم كانت تتخيل
إن اللي جاك هيقوله بعد ثواني…
هيخلّي المطعم كله يقف مذهول.

جاك وقف قدام ترابيزتهم، والمطعم كله كتم أنفاسه. الست اللي لابسة العقد الألماظ بصت له بتعالي وقالت: "خير يا أستاذ؟ في حاجة؟"

​جاك ابتسم ابتسامة باردة جدًا، وبص للعقد اللي في رقبتها وقال بصوت مسموع للكل:

"العقد ده جميل جدًا.. "تيفاني" أصلي مش كدة؟"

​الست اتعدلت في قعدتها وبغرور قالت: "بعشرين ألف دولار، جابهولي جوزي من باريس الشهر اللي فات."

​هنا جاك ضحك ضحكة خفيفة، وطلع تليفونه وعمل مكالمة سريعة وهو باصص في عينيها:

"ألو.. يا مارك؟ أنا في مطعم (إيليت)، ومعايا واحدة من العملاء بتوعك.. لابسة القطعة المقلدة اللي كنا بنحذر منها الأسبوع اللي فات. ابعتلي كشف بأسماء الناس اللي اشتروا الموديل ده فورًا."

​لحظة الحقيقة

​الست وشها بدأ يبهت، والاتنين اللي معاها بصوا لبعض بقلق. جاك كمل كلامه وهو بيوجهه للمطعم كله:

"أنا جاك إدواردز، المالك الجديد للمجموعة اللي بتمتلك السلسلة دي من المطاعم، والمستورد الوحيد للبراند اللي هي لابساه. الست دي مش بس بتهين موظفة عندي، دي بتهين المكان كله بوجودها وهي لابسة 'تقليد' وبتحاول تبان غنية على حساب كرامة غيرها."

​جاك لفت للجرسونة اللي كانت بتبكي، ومسح دموعها بمنديل وقاله بصوت حنين:

"يا بنتي، الريحة اللي هي شمتها دي ريحة 'الشقاء والشرف'، ريحة حد بيشتغل بجد عشان يبني نفسه. أما الريحة اللي أنا شاممها دلوقتي.. فهي ريحة تزييف."

​الضربة القاضية

​بص للستات التلاتة وقال بلهجة حاسمة:

"العشا ده على حسابي.. بس ده هيكون آخر عشا ليكم في أي فرع من فروع مطاعمنا في الدولة. أنتم 'محظورين' من الدخول هنا تاني. والشنط اللي معاكم؟ أنا متأكد إن مصلحة الضرائب هتهتم جدًا تعرف هي دخلت البلد إزاي ومنين."

​في اللحظة دي، الست صاحبة العقد قامت وهي بتلم شنطتها بسرعة ووشها أحمر من الخزي، وصوت كعب جزمتها وهي بتجري لبرا كان هو الصوت الوحيد المسموع وسط تصفيق حاد من كل الموجودين في المطعم.

​نهاية الليلة

​جاك رجع قعد مكانه بكل هدوء، وبصلي وابتسم كأن مفيش حاجة حصلت وقال: "كنا بنقول إيه يا حبيبتي؟ كملي حكايتك."

​أنا في اللحظة دي عرفت إني مش بس مع راجل غني، أنا مع راجل "شبعان" وعارف قيمة البني آدم فعلاً. والجرسونة؟ جاك أمر بترقيتها وبقت هي المسؤولة عن صالة المطعم من اليوم ده، عشان يثبت للكل إن الجزمة القديمة ممكن تشيل شخص أنظف بألف مرة من اللي لابسين ألماظ مزيف.

تم نسخ الرابط