تبنت طالب كان بينام فالجراج
تبنيت طالب كان بينام في جراج… وبعد سنين خلاني أبكي قدام قاعة كاملة
أنا عندي 53 سنة.
مدرسة فيزياء في ثانوي حكومي في إسكندرية.
حياتي كانت ماشية مستقيمة… هادية… فاضية شوية.
ما خلفتش.
وجوازي ما استحملش الفراغ ده.
اتعودت أرجع بيت ساكت، أعمل لنفسي شاي، وأصحح كراسات.
لحد ما دخل حياتي طالب اسمه يوسف.
يوسف ما كانش مجرد شاطر.
كان بيجادلني في قوانين نيوتن.
يسأل عن أصل الكون وكأنه ناوي يزوره.
مرة قال لي:
"هو ينفع الإنسان يسبق الزمن يا مس مريم؟"
ضحكت وقتها… وقلت في سري:
الولد ده لو لقى اللي يحتويه، هيوصل لحته بعيدة أوي.
بس في آخر سنة، حصل انقلاب.
بقى يسهر في الحصة.
يركز دقيقة ويغيب عشر.
درجاته نزلت فجأة.
وشه بقى شاحب كأنه مش بينام.
ناديتُه بعد الحصة.
قلت: "مالك يا يوسف؟"
بصلي بنظرة غريبة… وقال:
"هو لو الواحد اختفى شوية… حد هياخد باله؟"
الكلمة دي فضلت ترن في وداني أيام.
لحد ليلة مطر في شهر ديسمبر.
كنت راكنة عربيتي في جراج قريب من الكورنيش.
الهوا ساقع، والدنيا شبه فاضية.
وأنا ماشية ناحية المصعد، سمعت كحة خفيفة.
لفيت… ولقيته.
يوسف.
قاعد على الأرض، ضهره مسنود للحيطة،
حاطط شنطة المدرسة في حضنه كأنها آخر حاجة فاضلة له.
أول ما شافني، وشه اتجمد.
وقال بسرعة:
"أرجوكي… متسأليش."
قلبي كان بيدق جامد.
قعدت قدامه على الأرض، وقلت بهدوء:
"هسأل. عشان إنت ابني في المدرسة… ومش هسيبك كده."
سكت شوية… وبعدين قال:
"أنا بقالي أسبوعين بنام هنا."
الكلمة نزلت عليّ زي طوبة.
حكى إن أمه سافرت تشتغل بره، وسابته مع خاله.
والخلافات قلبت بطرد.
ومن ساعتها بيتنقل بين الجراجات عشان محدش يشوفه.
سألته:
"ليه ما طلبتش مساعدة؟"
رد وهو باصص في الأرض:
"عشان ما أبانش ضعيف."
في اللحظة دي، خدت قرار غيّر حياتي.
قلت له:
"قوم. تيجي معايا."
بصلي بعدم تصديق.
قلت له تاني:
"مش هتنام في الشارع تاني."
ومن الليلة دي، بيتي ما بقاش ساكت.
الورق والإجراءات أخدت وقت.
كلام الناس كان كتير.
بس أنا كنت حاسمة.
يوسف رجع يضحك.
رجع يسأل.
رجع يحلم.
دخل هندسة، وبعدها منحة بره.
كبر قدامي خطوة خطوة… لحد ما سبق الزمن فعلًا.
عدت سنين.
وفي يوم، جالي دعوة لحضور مؤتمر علمي كبير في مكتبة الإسكندرية.
ما فهمتش ليه هو مصر إني أجي.
القاعة كانت مليانة.
كاميرات. تصفيق. شخصيات مهمة.
طلع على المسرح دكتور يوسف…
واقف ببدلة سودة، واثق، هادي…
بس أنا كنت شايفة نفس الولد اللي كان بيستخبى من البرد في جراج.
بدأ يتكلم عن مشروعه.
عن رحلته في هندسة الفضاء.
عن سنين المنحة بره.
عن لحظات الفشل قبل النجاح.
الناس بتسقف…
وأنا قلبي بيدق أسرع من أي وقت.
وفجأة سكت.
بص حوالينه… وبعدين قال:
"قبل ما أبدأ عرضي… لازم أحكي حاجة ما حدش يعرفها."
القاعة هديت.
قال بصوت ثابت بس عينه فيها لمعة مختلفة:
"من سنين… كنت بنام في جراج عربيات في الشتا. كنت فاكر إن محدش شايفني… وإن اختفائي مش هيفرق مع حد."
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
وكمل:
"لحد ما ست دخلت حياتي… ما سألتش أنا استاهل ولا لأ. ما خافتش من كلام الناس. قالتلي جملة واحدة غيرت كل حاجة:
(مش هتنام في الشارع تاني)."
ساعتها الناس بدأت تهمس.
وبعدين عمل حاجة ما كنتش مستعدة لها.
نزل من على المسرح.
ومشى ناحيتي قدام القاعة كلها.
مد إيده ليا… وقال قدام الكاميرات:
"دي مش مس مريم…
دي أمي."
القاعة كلها قامت واقفة.
تصفيق… بشكل عمري ما سمعته.
حسيت الدموع نازلة من غير ما أقدر أتحكم فيها.
قرب المايك وقال جملة كسرتني تمامًا:
"يمكن هي ما خلفتش…
بس هي خلّفت حلم… والحلم ده واقف قدامكم النهارده."
في اللحظة دي فهمت حاجة.
أنا كنت فاكرة إني أنا اللي أنقذته.
لكن الحقيقة؟
هو اللي أنقذني من وحدة كانت بتاكلني حتة حتة.
وأنا واقفة جنبه قدام الناس، حسيت لأول مرة في حياتي…
إني بقيت أم فعلًا ❤️