زعيم المافيا
الدم والزجاج والناس اللي كانت بتجري في الشارع.
نورهان حطت البصمتين جنب بعض.
وبصت.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وقالت لنفسها
أكيد أنا غلطانة
يمكن الضغط وقت الولادة غيّر شكل الصباع.
يمكن الكارت اتلطخ.
يمكن زاوية التصوير مختلفة.
أي حاجة.
لكن إحساسها من جواها كان بيقول حاجة تانية.
مدت صباعها على البصمة القديمة.
وبعدين على بصمة الطفل الموجودة قدامها.
مش نفس البصمة.
نورهان بلعت ريقها.
رجعت تعمل الاختبار مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
وفي اللحظة دي
بدأ إحساس بارد جدًا ينتشر في جسمها.
الإحساس اللي بييجي للإنسان لما يكتشف حاجة
لو ثبتت صحتها، مش هيقدر يرجع يتجاهلها.
نورهان بصت للبيبي جوه الحضانة.
وبعدين بصت للملف.
وبعدين للباب الزجاج اللي سيف الدمنهوري كان واقف وراه.
وفجأة سؤال واحد ضرب دماغها
لو ده مش ابن سيف الدمنهوري
فابنه الحقيقي فين؟....
الصمت اللي جه بعد الجملة اللي نورهان قالتها لنفسها كان أصعب من صوت الأجهزة.
بصت للبيبي اللي كان بيتنفس ببطء على نفس نغمات الموت ورجعت تبص لملف الولادة ليلة الانفجار. الليلة اللي ماتت فيها مريم، وخرج الطفل ده من وسط الدم والزجاج.
لو ده مش ابن سيف الدمنهوري يبقى مين؟ وإزاي تبدلت البصمة؟ وهنا، عقل نورهان ربط الخيوط ببعضها بسرعة مخيفة يوم الحادثة، المستشفى كانت مقلوبة. الفوضى كانت مالية المكان، ورجالة سيف كانوا مالين الطوارئ، ودكتور كريم نفسه كان هو المناوب المسؤول عن الحالة في الساعات الأولى قبل ما يتحول الطفل لجناح الأطفال الخاص.
هل دي كانت صدفة؟ ولا خطة مُحكمة اتعملت في عز الزحمة وسط دخان الانفجار؟
نورهان قررت ما تستناش للصبح. أخدت البصمتين، وخرجت بخطوات سريعة متوجهة لأرشيف المستشفى القديم في البدروم، مكان ما الكاميرات أقدم والملفات الورقية القديمة متخزنة.
بس وهي ماشية في الممر الطويل، لمحت من بعيد ظل دكتور كريم واقف قدام مكتب الإدارة، بيتكلم في التليفون بصوت واطي وعصبي بقولك الواد بيموت لوحده الحالة بتبوظ أنا مش هقدر أتحمل أكتر من كده يا فندم لو سيف حس بحاجة إحنا الاثنين هننتهي!
قلب نورهان دق بعنف. دارت وراء عمود خرساني عشان ما يشوفهاش، وبلعت ريقها بصعوبة. دكتور كريم مش بس بيخفي حقيقة طبية هو شريك في جريمة أعمق بكتير.
الساعة كانت قربت على سبعة الصبح لما سيف الدمنهوري لقى نفسه مجبر يقعد على الكرسي قدام الحضانة، لأول مرة من تسعتاشر يوم. كلام الممرضة دي لسه بيرن في ودنه. مش خايف منها، بس حس إن فيه حاجة غريبة بتدور حواليه.
في اللحظة دي، باب الجناح اتفتح بعنف.
مش دكتور كريم، ولا ممرضة عادية. دخل راجل من أقوى رجال سيف، اسمه عاصم، وفي إيده ملف أسفل بايبس مبلولة بالمطر، ووجهه أصفر كأنه شاف شبح.
باشا لازم تشوف ده فوراً.
سيف وقف بغضب في إيه يا عاصم؟ ما تخلص!
عاصم مد إيده بالملف وقال بصوت مهزوز رجالة التحريات اللي بعتهم أراجع كاميرات مستشفى النيل في ليلة الحادثة لقوا حاجة غريبة جداً في سجلات دخول أطفال القسم في الليلة دي. اتولدت طفلة تانية في نفس دقيقة ولادة ابنك، في نفس الدور بس الطفلة دي اتسجلت ميتة وخرجت شهادة وفاة لها فوراً قبل ما أهلها يوصلوا.
سيف كشر عينيه وإيه العلاقة بابني؟
عاصم بلع ريقه الدكتورة اللي مضت على شهادة وفاة البنت دي هي نفسها اللي كانت مساعدة دكتور كريم ليلة الحادثة. والطفلة دي كانت بنت مين تفتكر يا باشا؟ سيف مين؟ عاصم بنت ألد أعدائك مراد العزايزي.
الكلمة نزلت على سيف كأنها صاعقة كهربا. مراد العزايزي الراجل اللي كان بينافس سيف على كل شبر نفوذ في القاهرة، واللي مات في نفس أسبوع الحادثة في تصفية حسابات غامضة!
يعني إيه؟ يعني ابنه الحقيقي ممكن يكون اتخطف واتبدل بابن عدوه؟ ولا مراد العزايزي هو اللي خطط لده وهو بيموت عشان يعذب سيف في أعز ما يملك؟
في نفس اللحظة، جوه غرفة الأرشيف المظلمة، كانت نورهان بتفتح ملف كاميرات المراقبة القديمة لليلة الحادثة على اللابتوب الصغير بتاعها. شريط الفيديو كان بيتحرك ببطء لحد ما ظهرت اللحظة الحاسمة دكتور كريم وهو شايل طفل صغير من حضانة الطوارئ، وماشي بيه بخطوات مرعوبة لحد غرفة العمليات التانية، وبيبدله بطفل تاني كان نايم هناك بهدوء تام!
يا نهار أسود ده هم اللي بدلوهم متعمّدين!
قبل ما نورهان تكمل جملتها، النور في غرفة الأرشيف انقطع فجأة. طِقّ! الباب اتقفل ببطء من بره.
نورهان قامت مرعوبة، مسكت التليفون عشان تنور الكشاف، بس قبل ما تتحرك خطوة لقدام، حست بإيد قاسية جداً بتتسحب حوالين رقبتها من ورا، وصوت خشن وهمس جنب أذنها شكلك عرفتي أكتر من اللازم يا شاطرة خسارة، شيفتك كان المفروض يخلص من بدري.
برا في جناح الأطفال، سيف الدمنهوري كان واقف قدام الحضانة، عيونه مثبته على البيبي اللي جواه. لأول مرة، حس إن الوجع اللي جوه صدره مش حزن على ابن بيموت ده غضب عارم لراجل اتلعب بيه.
بص لرجاله وقال بصوت حاد، جمد الدم في عروق الكل هاتوا لي دكتور كريم حالا وهاتوا الممرضة اللي كانت واقفة هنا الصبح. ورايا طُعم كبير أوي لازم أطلعه من الضلمة، ومش هسيب حد شارك في اللعبة دي عايش يخلص يومه.
الباب زغرد في صمت المستشفى المرعب، والأجهزة كملت صوتها المنتظم وكأنها بتعد العد التنازلي لانفجار أكبر بكتير من اللي حصل من تسعتاشر يوم.