اجبرت الخدامه تنضف

لمحة نيوز

في أقل من ثانيتين.
عمر دخل المكتبة في نفس اللحظة اللي جسم سلمى ساب السلم.
مافكرش.
ماحسبهاش.
جسمه اتحرك قبل عقله.
جرى بأقصى سرعته.
جزمه زحلقت على الرخام اللامع.
فتح دراعه وهو بيجري ناحيتها.
صرخ
خلي بالك!
لكن مافيش وقت.
ولا حد كان يقدر يوقف اللي حصل.
سلمى وقعت
وعمر لحقها.
مش بطريقة مثالية
لكن بطريقة أنقذت حياتها.
الرخام البارد كان على بُعد سنتيمترات معدودة، لكن جسد عمر كان أسرع.
ارتطم عمر بسلمى وهما معًا على الأرض، واصطدم كتفه بقوة بحافة طاولة خشبية جانبية. أطلق أنينًا خفيفًا من شدة الألم، بينما سقطت سلمى فوقه وهي في حالة صدمة كاملة، غير مصدقة أنها لا تزال تتنفس وأنها لم تصطدم بالأرض الصلبة.
في تلك اللحظة بالضبط، دخلت لارا إلى المكتبة على صوت الاصطدام وسقوط الكتب المدوّي.
لكن بدلاً من أن تسأل عما إذا كانت سلمى مصابة أو بخير، كانت ملامحها مجمدة ومصدومة وهي تראהما هكذا. نظرت إلى عمر وهو يتألم، ثم إلى سلمى المرتعبة وهي تبعد نفسها بسرعة، وقالت بحدة وهي ترفع حاجبها
عمر! إيه اللي بتعمله ده؟! إزاي تنزل لمستوى إنك تترمى بالشكل ده عشان... عشان خدامة؟!
عمر رفع عينيه ببطء، وكان وجهه متقلبًا بين الغضب العارم والألم. وقف ببطء متجاهلاً ألم كتفه، وبصوت هادئ لكنه يحمل نبرة رعبة جعلت لارا تتراجع خطوة للخلف، قال
لارا... الست دي كانت هتموت بسبب إهمالك وإصرارك الغبي على سلم متهالك! لو كانت وقعت على راسها، كان زماننا قدام مصيبة كبرى... وأول واحد فينا كان هيتحاسب قدام القانون هو أنتي!
بلعت لارا ريقها بصعوبة، وحاولت تبرر الموقف بصوت متقطع أنا... أنا بس كنت عايزة المكتبة تخلص... هي اللي مهملة وماعرفتش تقف كويس...
قاطعها عمر بحزم صارم اخرسي تمامًا. طلّعي سلمى دلوقتي حالا على أوضة الاستراحة، وخلي الدكتور اللي في النادي يجيلنا القصر فورًا.
بعد ساعة، كانت سلمى جالسة في غرفة الاستراحة، ترتجف بخوف، خايفة إن السقوط ده يكون سبب في طردها وتشريد ابنها الصغير آدم.
لكن الباب خبط ودخل عمر، ولم يكن مفرداً. كان ماسك بيده حقيبة جلدية صغيرة تخص سلمى، وورقة قديمة صفراء اللون.
جلس عمر على الكرسي المقابل لها، وبنبرة خالية من أي تكلف، بل مليئة بالاحترام والفضول، قال
سلمى... أنا مش هطردك، اطمني. بس وأنا بلملم الكتب والحاجات اللي وقعت منك، الحقيبة دي سقطت، وخرجت منها الورقة دي.
رفع عمر الورقة أمام عينيه، وتابع بصوت خافت مكتوب هنا اسم سلمى عبد الرحمن... وجنبها شهادة تخرج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف من كلية الآداب، قسم تاريخ وفلسفة، جامعة القاهرة... ومعاها أوراق بحثية نادرة عن ترميم المخطوطات والكتب التاريخية القيمة.
نظر إليها بعمق وسألها بجدية واحدة معك الشهادات دي، وخبرة سنين في حفظ وترميم الكتب النادرة، إيه اللي يخليها تشتغل خدامة في بيتي وتنضف الرفوف بالسلم المكسور؟!
نزلت دموع سلمى بصمت. أخيرًا، وبعد سنين من الإهانة والتجاهل، حد شافها... حد نطق اسمها باحترام.
قالت بصوت مكسور لكنه ثابت
حكايتي بدأت لما جوزي توفي وسبلي آدم، وترك لي ديون كبيرة جداً. اضطريت أبيع كل حاجة أملكها، وكنت محتاجة أي شغلار حلال وبفلوس يومية عشان أقدر أدفع إيجار الشقة وأعلف ابني. قدمت في مئات الأماكن، بس عشان مفيش واسطة ولا ظهر الكل رفضني. وعيلة المنشاوي... مكتب الاستقدام بعتني هنا كشغالة نظافة، وداريت شهادتي عشان أعرف أعيش. لارا هددتني كذا مرة بالطرد لو فتحت بوقي بأي كلمة، فكنت بسكت... عشان خاطر ابني.
الصمت ساد الغرفة تمامًا. عمر كان بيبص لها بإعجاب شديد بقوتها، وبغضب أشد من الظلم اللي اتعرضت له في بيته بالذات.
تاني يوم الصباح الباكر، وفي قاعة الاجتماعات الكبرى بالقصر، كانت عيلة المنشاوي كلها متجمعة على الفطار بدعوة طارئة من عمر.
لارا كانت قاعدة بكل غرور، وقالت باستهزاء خير يا عمر؟ جامعنا كلنا بدري ليه؟ عشان الهانم الشغالة؟
دخلت سلمى القاعة، بس مش بلبس التنظيف، كانت لابسة بدلة رسمية بسيطة وراقية جدًا، ووراها ابنها آدم، وموظف من مكتب الشؤون القانونية للشركة.
وقف عمر وقال بصوت قوي هز أركان القاعة
جامعكم النهارده عشان أعرفكم على الشخص الوحيد اللي هينقذ مكتبة العيلة التاريخية اللي أنتوا أهملتوها سنين، وكمان هيمسك إدارة أرشيف مجموعة شركات المنشاوي.
وقفت لارا بصدمة وصرخت أنت اتجننت؟! دي شغالة!
رد عمر بكل برود وثقة
دي دكتورة سلمى عبد الرحمن... واحدة من أهم الخبراء اللي السوق كان بيدور عليهم، واللي للأسف دخلت بيتنا كضحية لغطرسة وجهل البعض بينا. العقود اتوقعت خلاص، ومكتبها الجديد هيكون في الدور الثالث، جنب مكتبي مباشرة.
وبص لعمر لسلمى بابتسامة دافئة وقال أهلاً بكي يا دكتورة سلمى... من النهاردة، في قصر المنشاوي، كل واحد هياخد مكانه الحقيقي.
نظرت سلمى لآدم ابنها الواقف جنبها، ولمست راسه بدموع الفرح، وأخيرًا شعرت أن الكرامة التي دفنت تحت الرخام لسنوات... عادت لتزهر من جديد.

تم نسخ الرابط