الماية الساقعه بلعت عربيتى
الميّه الساقعة بلعت عربيتي في ثواني، وما لحقتش حتى أستوعب إن اللي حصل مش حادث... حد كان ناوي يخلص مني. وبعدها بدقايق، أخطر راجل في القاهرة كسر إزاز العربية بإيده، وسحبني من قلب النيل، واختفى قبل ما أعرف هو كان بيعمل إيه هناك أصلًا.
أول حاجة سمعتها لما عربيتي كسرت سور الكوبري ووقعت في النيل، ما كانتش صوت الحديد وهو بيتكسر...
كانت صوت الميّه.
الميّه دخلت العربية بجنون، كأنها كائن حي، ساقعة لدرجة بتشل الجسم، وبتعلى بسرعة... عدّت رجلي، وبعدها بطني، وبعدها وصلت لصدري، وأنا بحاول أفك حزام الأمان اللي فجأة حسيت إنه بقى حبل مشنقة.
كان عندي تسعة وعشرين سنة، وحياتي عادية جدًا. شغلي مصورة فريلانسر، معايا تلات كاميرات وست عدسات، وأبويا وأمي ماتوا من سنين، وحتى فاتورة الكهربا اللي متأخرة كانت لسه مرمية على ترابيزة المطبخ.
ده كل اللي كنت أملكه.
ودلوقتي هموت... عشان حد كان ماشي ورايا في مطر القاهرة، وقطع خراطيم الفرامل، وساب النيل يكمل المهمة.
دست على زرار الإزاز.
ولا أي حاجة حصلت.
تابلوه العربية نور نور خافت، وبعدها كل حاجة غرقت في الضلمة، وما بقاش ظاهر غير نور الفوانيس تحت الميّه بلون أخضر مخيف. والعربية بدأت تغرز بمقدمتها لتحت، وشنطة الكاميرا بتاعتي طفت قدامي، كأنها آخر ذكرى من العمر اللي تعبت أبنيه.
"لأ... بالله عليكم... لأ."
فضلت أخبط برجلي في الكونسول لحد ما وجع رهيب شق ساقي، وبعدها زقيت باب العربية بكل قوتي... بس ضغط الميّه كان أقوى، كأنه قرر إن قبري هيكون هنا.
بعد ثواني، الميّه وصلت لرقبتي.
نفسي بقى متقطع، وبرفع راسي بالعافية عشان أخطف آخر نفس من جيب الهوا الصغير اللي فاضل. آخر حاجة افتكرتها كانت صوت أمي وهي زمان بتقولي:
"أول ما توصلي البيت كلميني يا حبيبتي."
وبعدين... الميّه غطت وشي.
خبطت الإزاز بإيدي مرة... واتنين... وتلاتة... لحد ما إيديا وجعتني، والدنيا بدأت تسود قدام عيني، ورئتي بتصرخ من قلة الهوا.
وفجأة...
الإزاز انفجر.
إيد دخلت من بره وسط الميّه، ومسكت رسغي بقوة.
إيد دافية...
قوية...
وحقيقية.
الراجل شدني من الشباك المكسور، والإزاز قطع الجاكيت بتاعي وجرح جلدي، لكن ما كنتش حاسة غير بالنار اللي في صدري وأنا بموت من الاختناق.
وفجأة...
طلعنا فوق.
المطر نزل على وشي.
الهوا دخل صدري من تاني.
سمعته بيقول بصوت هادي لكنه قوي:
"أنا ماسكك... متقاوميش... خدي نفسك."
فضلت أكح ميّه النيل وأنا مرمية على الطين، وهو شايلني لحد بر الأمان. رفعت عيني بالعافية، وشفت شعره الأسود لازق من المطر، والدم نازل من عند صدغه، وبدلته السودة الغالية باظت من الميّه.
همست:
"إنت... مين؟"
بص ناحية الطريق، وكان صوت عربيات الإسعاف والشرطة قرب.
قال بهدوء:
"واحد وصل في الوقت المناسب."
خلع البالطو بتاعه، وغطاني بيه، وبعدها اختفى وسط الشجر قبل ما حد يوصل.
في المستشفى، ممرضة كبيرة في السن قالتلي إن عندي كدمات في الضلوع، وانخفاض بسيط في حرارة الجسم، وجروح كتير محتاجة غرز.
وقالت كمان:
"الراجل اللي أنقذك رفض يتعالج... ومشى قبل ما الشرطة تلحق تسأله أي سؤال."
وأضافت وهي بتديني البالطو:
"بس سابه وراه."
بصيت على الياقة...
كان متطرز عليها بحروف دهبية:
ك. ر.
بعدها بيومين، جه ظابطين يحققوا معايا. سألوني عن المطر، وسرعتي، ولو ليا أي عداوات.
ضحكت بمرارة وقلت:
"أنا بصور أفراح، وحفلات خير، وشغل لمجلات... مين هيكرهني للدرجة دي؟"
الظابط الكبير بص لزميله، وبعدها رجع بصلي وقال بنبرة جدية:
"يا آنسة مريم... خراطيم الفرامل عندك كانت متقطعة باحتراف. اللي حصل ده مش حادث... دي محاولة قتل."
فضلت يومين أبص للبالطو الغالي، وأفكر...
مين اللي كان عايز يقتلني؟
ومين صاحب الحروف دي؟
وفي الليلة التالتة، دخل ظابط أوضتي، قفل الباب وراه، وحط صورة على السرير.
أول ما بصيت فيها...
اتجمد الدم في عروقي.
الراجل اللي أنقذني من النيل كان كريم رشدي...
الاسم اللي كل القاهرة بتهمس بيه.
زعيم أخطر عيلة في عالم الجريمة المنظمة.
والأصعب من كده...
إن الظابط قاللي إن كريم ما أنقذنيش بالصدفة.
## الفصل الأول: ظلال المكتوب
كانت الصورة فوق سرير المستشفى الأبيض كفيلة بأن تجعل نبضات قلبي تتوقف لأجزاء من الثانية.
الوجه الحاد، النظرات التي تحمل هدوء العاصفة، والعينان اللتان التقتا بعيني وسط ظلام النيل والمطر... إنه هو. كريم رشدي.
الظابط وقف فوق رأسي، يده في جيب بنطلونه، ونظراته تفحص وجهي الشاحب كأنه يحاول قراءة أفكاري. قال بصوت خافت يحذّرني من العواقب:
"اسمه بيتقال في الغرف المغلقة بصوت واطي يا آنسة مريم. كريم رشدي مش رجل أعمال عادي زي ما الواجهات بتقول. ده الرجل اللي بيحرك خيوط الاقتصاد والسلطة والشارع في مصر كله. ورغم كده... هو اللي كان واقف في ميه النيل الباردة عشان يسحبك من عربية بتغرق."