رحله الامنيات

لمحة نيوز

ابننا كان رايح رحلة تحقيق أمنية لأنه في آخر مراحل السرطان... وفجأة كابتن الطيارة قال في الميكروفون: "يا يوسف... في حاجة إنت ومامتك وباباك لحد اللحظة دي متعرفوش عنها أي حاجة."

من يوم ما عرفنا إن ابننا يوسف، اللي عنده تمن سنين، مصاب بالسرطان، حياتنا اتشقلبت فوق تحت.

بقينا بنعد أيامنا بين جلسات الكيماوي، والتحاليل، والمستشفيات. أوضة المستشفى بقت هي المكان اللي بيقضي فيه معظم وقته، بدل ما يكون في المدرسة، أو بيلعب كورة مع صحابه، أو بيحتفل بعيد ميلاده زي أي طفل في سنه.

في يوم، وإحنا قاعدين معاه في مستشفى 57357 أثناء جلسة العلاج، دخلت متطوعة من جمعية خيرية بتحقق أمنيات الأطفال المرضى، وقعدت جنبه بابتسامة هادية.

قالت له: "قوللي يا يوسف... لو نفسك في حاجة واحدة تتحقق، هتختار إيه؟"

يوسف حتى ما فكرش ثانية.

ابتسم وقال بحماس: "نفسي أروح دريم بارك."

ابتسامتها كبرت، وقالت له: "اعتبرها حصلت."

بعد حوالي شهر، لقينا نفسنا في مطار القاهرة، مستنيين الطيارة اللي هتاخدنا للقاهرة علشان نقضي اليوم اللي يوسف كان بيحلم بيه من سنين.

من أول ما ركب الطيارة، الفرحة كانت مالية وشه.

لزق وشه في الشباك، وقعد يلوح للعاملين اللي تحت، وكل شوية ينادي على المضيفة يسألها: "الطيارة دي بتطلع قد إيه؟" "هو الكابتن شايفنا منين؟" "إحنا دلوقتي فوق السحاب بجد؟"

لأول مرة من شهور طويلة... شوفناه طفل عادي.

مش طفل بيحارب مرض خطير.

مراتي مسكت إيدي بهدوء.

بصيت لها، لقيت عينيها مليانة دموع بتحاول تداريها.

وأنا كمان كنت بالعافية ماسك نفسي.

بعد حوالي نص الرحلة، صوت كابتن الطيارة طلع في السماعات.

افتكرت إنه هيقول إننا هنبدأ نهبط أو هيطمن الركاب على الرحلة.

لكن فجأة قال:

"معانا النهارده راكب مميز جدًا... يوسف، اللي قاعد في الكرسي 12A... يا رب تكون مبسوط بالرحلة لحد دلوقتي."

الطيارة كلها سكتت.

كل الركاب بصوا على يوسف.

ويوسف نفسه بص حواليه باستغراب، ومش فاهم هو الكابتن عرف اسمه إزاي.

ابتسم في كسوف، ولوح بإيده وهو بيضحك.

لكن الكابتن كمل كلامه، وقال بصوت هادي:

"بس قبل ما نوصل... في مفاجأة كبيرة... حاجة لا يوسف، ولا باباه، ولا مامته يعرفوا عنها أي حاجة لحد اللحظة دي..."

 

​عمّ الصمت تماماً في مقصورة الطائرة، لدرجة أن صوت محركات الطائرة أصبح هو الخلفية الوحيدة لهذا الذهول المفاجئ. يوسف التفت إلينا بعينين واسعتين، تلمع فيهما حيرة طفولية بريئة، وقال بصوت خافت:

"بابا... هو الكابتن عرف اسمي ورقم الكرسي بتاعي منين؟"

​وضعت يدي على كتفه، وقلت وأنا بالكاد أستطيع التحكم بنبرة صوتي التي تود الارتجاف:

"مش عارف يا حبيبي... شكل الكابتن ده ساحر، أو عنده رادار خاص بالابطال!"

​التفتت زوجتي إلى المضيفة القريبة منا، فوجدناها تبتسم بوعي وتومئ برأسها نحو مكبر الصوت، كأنها كانت جزءاً من مؤامرة جميلة دُبرت بليل.

​مفاجأة فوق الوصف

​استأنف صوت الكابتن الرخيم الحديث عبر مكبر الصوت، وبنبرة مليئة بالدفء والعاطفة قال:

"يا يوسف، الرحلة اللي إنت طالعها دي مش مجرد يوم في دريم بارك زي ما ظنيت أنت ومامتك وباباك... الجمعية اللي نسقت الرحلة تواصلت مع إدارة المطار ومعانا هنا في قمرة القيادة، وقررنا إن الطيارة دي مش هتهبط في القاهرة... رحلتنا كملت، وإحنا دلوقتي في طريقنا المباشر إلى..."

​توقف الكابتن لثوانٍ معدودة كأنه يمنحنا فرصة لنستوعب الصدمة، ثم هتف بحماس:

"إلى مدينة ديزني لاند في الخارج! كل الأوراق، وتذاكر السفر، وترتيبات الإقامة، وحتى استثناءات الإجراءات الطبية تم إنهاؤها بالكامل ومجاناً بالكامل بدعم من رعاية خاصة ورجال أعمال قرروا يهدوا الرحلة دي للبطل يوسف وعيلته!"

​كأن انفجاراً من مشاعر الفرح والسعادة حدث داخل الطائرة.

​الركاب كلهم التفتوا نحو الكرسي (12A)، وارتفعت أصوات التصفيق الحاد، وبدأت إحدى المضيفات تتقدم نحو مقعدنا وهي تحمل تاجاً ورقياً مكتوباً عليه بخط بارز: "الملك يوسف.. بطلنا الحقيقي"، ومعها بالونات ملونة تملأت بها الممر الضيق للطيارة.

​زوجتي لم تستطع حبس دموعها أكثر من ذلك، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر أو حزن، بل كانت دموع انفراجة روح بعد ليل طويل من المعاناة والقلق. أما يوسف، فمن شدة المفاجأة، فتح فمه على وسعه، ثم نظر إلينا وقال بضحكة صافية هزت قلبي:

"يعني... يعني أنا رايح ديزني لاند؟! بجد يا بابا؟ مش دريم بارك وبس؟!"

​قلت وأنا أحتضنه بقوة حتى كادت أنفاسي تنقطع:

"أيوة يا قلب بابا... رايح مكان أحسن بكتير، لأنك تستاهل الدنيا بحالها."

​هبوط في عالم الأحلام

​بعد ساعات قليلة، هبطت الطائرة على ممر مطار دبي الدولي (كمحطة انتقالية رتبتها الجهة المنظمة لتسهيل السفر الدولي بأمان طبي)، وكان في استقبالنا فريق خاص من خدمة VIP، رافقونا في استراحة مجهزة بالكامل ومزودة بطاقم طبّي احتياطي للاطمئنان على حالة يوسف طوال رحلة الطيران الطويلة، لضمان راحته وسلامته دون أدنى مجهود مرهق.

​وفي كل خطوة، كان يوسف يرتدي تاجه بشموخ، يلوح لكل من يقابله في المطار، وينظر حوله بنظرات طفل عاد إليه العالم ليفتح له أبوابه على مصراعيها.

​لم تعد أجهزة المستشفى وجلسات الكيماوي هي محور يومنا؛ بل أصبح صوت ضحكات يوسف وهو يتخيل الشخصيات الكرتونية التي سيقابلها هو الصوت الوحيد المسموع في المكان.

​الخاتمة: الحياة تعود من جديد

​مرت الأشهر بعد تلك الرحلة كأجمل حلم عشنا تفاصيله، والأجمل من ذلك أن الرفع المعنوي الهائل الذي تلقاه يوسف، وطاقته الإيجابية الجبارة التي اكتسبها، انعكست بطريقة مذهلة على استجابته للعلاج. التقارير الطبية الأخيرة حملت خبراً جعلنا نسجد شكراً لله: الأورام بدأت في التراجع الملحوظ، وأصبح يوسف يخطو خطواته الثابتة نحو الشفاء التام.

​في كل ليلة، قبل أن ينام، كان يضع تاجه الورقي على كومودينو الغرفة، وينظر إلينا بابتسامة واسعة ليقول:

"تفتكروا الكابتن هيسوق بينا طيارة جديدة تاني إمتى؟"

​وأنا أرد عليه بكل حب:

"طالما أنت بطل وبتضحك يا يوسف... كل أيامنا الجاية هتبقى رحلات لأحلى مكان في الدنيا."

تم نسخ الرابط