اختي مش بتصحي سما سامح
يا بابا... أختي مش بتصحى، وإحنا بقالنا تلات أيام ما كلناش.
الولد قالها بصوت مكسور وهو بيكلم أبوه في التليفون. الأب جري على المستشفى وهو فاكر إن طليقته سابت العيال لوحدهم... لكن الحقيقة كانت أبشع بكتير من أي حاجة تخيلها.
يا بابا... سارة مش بتصحى... ومفيش أي أكل في البيت.
صوت يوسف كان واطي أوي، لدرجة إني افتكرت المكالمة فصلت.
كنت قاعد في أوضة اجتماعات كلها إزاز في شركة الدعاية اللي شغال فيها، وقدامي لابتوب عليه عرض بملايين الجنيهات، وكوباية شاي من الكافتيريا بردت من زمان، وحواليّا مديرين ومستنيين مني كلمة واحدة عشان يبدأوا المشروع.
وفجأة... الدنيا كلها بقت محصورة في نفس ابن عنده ست سنين.
يوسف؟! إنت فين؟ وليه بتكلمني من رقم مش أعرفه؟
سكت شوية... وبعدها سمعته بيبلع ريقه بالعافية.
ماما مش هنا... وسارة سخنة أوي... حاولت أديها بسكوت بس مش عارفة تمضغه.
قومت من مكاني مرة واحدة، والكرسي خبط في الإزاز. محدش نطق. خطفت مفاتيح العربية، وسيبت اللابتوب مفتوح، وجريت على الأسانسير وأنا حاسس إن كل ثانية بتعدي ممكن تكون آخر ثانية في حياة بنتي.
من تمن شهور أنا ونور كنا مطلقين، وبنحاول نمشي نظام حضانة محترم من غير خناقات.
هي كانت عايشة مع العيال في شقة إيجار بمدينة نصر جنب المدرسة الحكومية، وأنا بشوفهم كل ويك إند ويومين في نص الأسبوع.
مكناش أصحاب... لكن برضه مكنّاش أعداء.
أو على الأقل... ده اللي كنت بضحك بيه على نفسي.
قبلها بتلات أيام، يوم الجمعة الساعة سبعة والربع تقريبًا، بعتتلي رسالة قالت فيها إنها واخدة العيال عند صاحبتها في الإسماعيلية، وإن الشبكة هناك ضعيفة.
وصدقتها...
لأن التصديق كان أريح بكتير من إني أواجه كل الحاجات اللي كنت ملاحظها من فترة.
نسيانها المستمر.
الحجج اللي ملهاش لازمة.
وطريقة يوسف وهو بياكل عندي... ياكل بسرعة ويحاوط الطبق بإيده كأن حد هيخطفه منه.
الثقة مبتتكسرش مرة واحدة...
بتتسرب حتة حتة...
لحد ما ييجي اليوم اللي ابنك يتصل بيك من موبايل الجيران ويقولك إن أخته مش بتصحى.
فضلت أرن على نور وأنا نازل الجراج.
مغلق.
رنيت تاني.
مغلق.
ركبت العربية، وإيدي بترتعش على الدركسيون، ويوسف لسه على الخط.
كان ساكت أغلب الوقت.
كنت سامع صوت التلاجة... والتليفزيون شغال على قناة أطفال بصوت واطي... ونفسه اللي كله خوف.
قلتله وأنا بحاول أمسك نفسي
متقفلش يا حبيبي... أنا جاي... خمس دقايق وأكون عندك.
قال بصوت وجع القلب
أنا خايف يا بابا.
أربع كلمات...
لكن حسيتهم كسروا حاجة جوايا عمرها ما هتتصلح.
لما وصلت العمارة، الباب الحديد كان مفتوح نص فتحة، وشنطة مدرسة صغيرة مرمية عند السلم كأن صاحبها وقع ومكملش طريقه.
طلعت السلم جري.
باب الشقة كان موارب.
أول ما دخلت...
ريحة المكان خبطت في وشي.
ريحة أكل بايظ.
هدوم متكومة.
حر خانق.
وأكتر من كل ده...
ريحة خوف.
يوسف!!
لقيته قاعد على الأرض في الصالة، حاضن مخدة في حضنه.
وشه كله تراب ودموع ناشفة.
بصلي من غير حتى ما يجري عليّا.
كأنه نسي إن الكبار المفروض يجوا ينقذوا الأطفال.
قال بهمس
افتكرتك مش هتيجي.
ركعت على ركبتي، وضميته بقوة.
جسمه كله كان بيترعش.
قلتله
أنا جيت يا حبيبي... خلاص... أنا معاك.
رفع إيده الصغيرة وأشار ناحية الكنبة.
كانت سارة، عندها تلات سنين، نايمة تحت لحاف تقيل رغم إن الشقة مولعة من الحر.
وشها أصفر.
شفايفها ناشفة ومتشققة.
حرارتها نار.
أول ما شيلتها حسيت جسمها سايب في إيدي.
جريت على المطبخ.
ملقتش غير...
علبة كورن فليكس فاضية.
إزازة كاتشب.
نص باكو بسكوت قديم.
وكوباية عصير ناشفة في القاع.
بس.
مفيش أي أكل.
لفيت على يوسف وسألته
آخر مرة كلتوا إمتى؟
بص في الأرض وقال
مش فاكر... كنت بدي سارة عيش... بس خلص.
في اللحظة دي...
كنت عايز أكسر الدنيا.
كنت عايز أشوف نور قدامي وأسألها إزاي أم تسيب طفلين بالشكل ده.
بس بنتي كانت بتحرق في حضني.
وابني كان باصصلي كأني آخر أمان باقي ليه.
بلعت غضبي.
شيلت سارة.
وخدت يوسف.
وركبنا العربية وجريت على أقرب مستشفى أطفال.
في الطريق...
يوسف سألني بصوت واطي
ماما زعلانة مني؟
غصة وقفت في زوري.
قلتله
لأ يا حبيبي... إنت معملتش أي حاجة غلط.
بصلي وقال
أنا كنت برعى سارة.
مسكت الدركسيون جامد وقلت
إنت أنقذت حياتها يا بطل.
الساعة كانت حوالي خمسة إلا تلت لما دخلت الطوارئ وأنا شايل سارة.
صرخت
الحقوني... بنتي مش بتستجيب!
الدكاترة والممرضات اتحركوا في ثانية.
واحدة خدت سارة مني.
واحدة قعدت يوسف على كرسي.
بس هو فضل ماسك في بنطلوني بإيده الصغيرة... خايف أختفي أنا كمان.
الموظفة فضلت تسألني
اسمها؟
سنها؟
بطاقة الأب؟
التأمين؟
الأم فين؟
كنت برد كأن حد غيري هو اللي بيتكلم.
سارة أحمد.
تلات سنين.
حرارة عالية.
بقالها تلات أيام تقريبًا من غير أكل.
بعد أقل من ساعة...
يوسف هو كمان كان لابس إسورة المستشفى.
وأخصائية اجتماعية كانت بتكتب كل حاجة على اللابتوب.
وبعدها سألتني السؤال اللي معرفتش أجاوبه.
والدة الأطفال فين؟
قلت وأنا ببص في الأرض
معرفش... لكن لو لقيتها... مش هتشوفهم تاني.
قالت بهدوء
لازم نوثق حالة الشقة، وعدم وجود أكل، وكل التفاصيل... الموضوع هيتحول للنيابة ولشؤون الأسرة.
قلت
اعملوا اللي لازم يتعمل.
بس الغضب بيكون سهل...
لحد ما تعرف الحقيقة.
بعد ساعتين...
كنت قاعد في طرقة المستشفى.
ريحة المطهرات مالية المكان.
ويوسف نايم على كرسيين بلاستيك، ومتغطي بالجاكت بتاعي.
فضلت أبص للإسورة اللي في إيده الصغيرة...
وأفتكر علبة الكورن فليكس الفاضية...
وكوباية العصير...
والبطانية اللي كانت مغطية بنتي وهي بتتحرق من السخونية.
وفجأة...
ممرضة خرجت من آخر الطرقة وهي ماسكة ملف.
وشها