مراتى ماتت
في مرضي قبل ما تشيلني في عافيتي.. أنا مش محتاجة أقولك إنك كنت كل دنيتي. البيت اللي بنيناه سوا، والقرش اللي جمعناه بتعب السنين.. دول مش مجرد طوب وأرقام.. دول ذكرياتنا. والوصية اللي في إيد المحامي النهاردة، مش بس ورقة قانونية.. دي امتحان.
أخرج المحامي ورقة أخرى من الظرف، وكانت بخط يد فاطمة، وبها بقع حبر توحي بأنها كتبت بدموعها في ساعاتها الأخيرة
إلى ياسمين.. بما إنك سألتِ كتير عن أرض أبو جوزي، وعن حساب البنك، وعن البيت.. فأنا قررت أحققلك رغبتك. الأرض اللي كنتِ بتسألي عنها.. كانت مرهونة لسداد ديون كان أحمد مديونها لمستثمرين من غير ما يقولكم، وأنا اللي سددتها عشان ميتسجنش.. الحساب اللي كنتِ بتدوري على أرقامه، كان متصفي من سنتين عشان تكاليف علاجي اللي كنتِ بترفضِ تساهمي في قرش واحد منها بحجة إن الفلوس للزمن.. أما البيت.. فهو من النهارده ملك للحاج حسن وحده، بحق الانتفاع الكامل، ولأحمد بشرط .
هنا، انتفض أحمد من مكانه، صوته كان يرتجف شرط إيه يا أستاذ جلال؟
تنحنح المحامي وأكمل الشرط يا بني هو.. إنك لازم تختار. يا إما تختار زوجتك وتخرج من البيت اللي تعبت فيه أمك، وتعتمد على نفسك من الصفر بدون أي دعم من إرثها.. يا إما تختار الحفاظ على أمانة أمك، وده بيتطلب إنك تراجع اختيارك لشريكة حياتك اللي باعت كرامة العيلة قبل ما تبرد جثة صاحبة البيت.
ساد صمت جنائزي. ياسمين نهضت، الكعب العالي الذي كان يلمع قبل قليل صار صوته على الأرض يثير القشعريرة. وجهها كان يحترق غضباً، لكنها حاولت استعادة تماسكها، نظرت لأحمد بحدة وقالت بصوت مسموم أحمد.. قوم معايا. دي مسرحية رخيصة عملتها ست مريضة كانت عايزة تكرهك فيا قبل ما تموت. البيت ده حقك، أنت ابنها!
الحاج حسن فتح عينيه، وبصوت هادئ، عميق، وقاسٍ كالجبل، قال أحمد ابنها أيوة.. بس أمك كانت ست أصيلة، وعرفت تفرق بين اللي بيحبك عشانك، وبين اللي بيحبك عشان اللي وراك. أحمد حر.. بس البيت ده، بكل حيطة فيه، وبكل ريحة ذكريات، مش هيدخله حد مشي في جنازة مراتي وهو بيفكر في الفلوس.
ياسمين التفتت لأحمد، تنتظر منه كلمة، حركة، أي انحياز. لكن أحمد كان في عالم آخر. نظر لصورة أمه التي كان يحملها في محفظته، وتذكر كيف كانت ياسمين تتذمر من رائحة الديتول في غرفتها، وكيف كانت تطلب منه أن يتركها لتموت بكرامة لوحدها حتى لا يضيعوا وقتهم في المستشفيات.
دمعة سقطت من عين أحمد، ثم نظر لياسمين وقال ببرود لم تعهده فيه البيت ده فيه ريحة أمي يا ياسمين.. وانتي عمرك ما دخلتِ قلبي إلا والريحة دي كانت بتضايقك. روحي.. أنا مش هسيب البيت، ولا هسيب أبوي.
حاولت ياسمين الصراخ، حاولت التهديد، لكن المحامي جلال أشار للأمن بالدخول. خرجت ياسمين من المكتب، وقعقعة كعبها العالي تتباعد في الممر، تاركة وراءها كبرياءً مهشماً.
بقي الثلاثة في المكتب. الحاج حسن أخرج من جيبه مفتاحاً قديماً، وضعه على الطاولة، وقال لأحمد دي مفاتيح الخزنة يا بني.. فيها مش بس فلوس، فيها جوابات أمك ليك، وفيها اللي باقي من عمرنا. ابدأ من جديد، بس بقلب نقي.. لأن الرزق مش بس اللي بنجمعه، الرزق هو اللي بيبقى لينا بعد ما نمشي.
أحمد سجد على ركبتيه، بكى بحرقة طفل استيقظ من كابوس طويل. الحاج حسن لم يضمه فوراً، بل وضع يده على رأسه، ونظر للسقف وكأنه يخاطب فاطمة في عليائها ارتاحي يا فاطمة.. البيت لسه فيه ريحة ريحتك.. والدرس وصل.
لم تعد ياسمين، ولم يعد أحمد ذاك الرجل الضعيف. ومنذ ذلك اليوم، أصبح البيت الذي ظنوا أنه سيكون ساحة معركة للورثة، منارة للسكينة، حيث يزور الحاج حسن قبر زوجته كل جمعة، ويحكي لها كيف صار ابنهما رجلاً يعرف قيمة الناس قبل الذهب.
انتهت.