انتقام التخرج سما سامح
في حفلة تخرجي، أبويا رزعني قلم على وشي طيّر الروب من عليّا. أمي صرخت وقالت مش حتة حتة قماشة اللي هتعمل منك بني آدمة، طول عمرك فاشلة!. الكل كان مستني يشوف دموعي، بس أنا لميت شهادتي، وأخدت المايك، وقولت الحقيقة اللي أهلي خبّوها أربع سنين.
إنتي متستاهليش الشهادة دي!.. قالها أحمد الشناوي وهو بيشخط، بعد ثواني من القلم اللي رزعه لبنته على وشها، لدرجة إن الكاب طار في الهواء قدام جامعة القاهرة كلها.
صوت القلم سمع في ساحة الجامعة الرئيسية. مكنش قلم عادي، كان من القلم اللي بيقطع النفس، وبيخلي مئات البشر يتسمروا في مكانهم ومحدش ينطق بحرف.
الكاب العنابي وقع جمب علبة الشهادة، وفضل يتدحرج على أرضية البلاط.
كامليا الشناوي فضلت واقفة مكانها مابتتحركش. كانت حاسة بوشها بيولع نار، وإيدها بتترعش، وعينها متثبتة في الراجل اللي لسه مبهدلها ومهينها قدام الدكاترة، والطلبة، والمصورين، وأهالي الدنيا كلها.
أبوها وشه كان جايب ألوان من كتر الغل والشرار اللي بيطلع من عينه.
إنتي عار علينا وعلى العيلة.. قالها وهو بيجز على سنانه، طالعة على المسرح ورافعة راسك كأنك عملتي سبوبة ولا إنجاز؟
وقبل ما كامليا تنطق، أمها، فاطمة رياض، زقت الناس وطلعت ووشها مقلوب من كتر الغيظ
مش حتة قماشة اللي هتعمل منك بني آدمة! طول عمرك فاشلة وضايعة! كفاية بقى فضحتينَا قدام الناس!
ناس كتير من اللي واقفين حطوا إيديهم على بوقهم من الصدمة. في دكتور كان بيصور، نزل الكاميرا بتاعته بالراحة وهو مش مصدق. فرد أمن بدأ يتحرك ناحيتهم، بس كامليا رفعت إيدها وهي مش حايشة عينها من على أبوها وأمها.
لا.. سيبه.. قالتها بنبرة هادية تخوف، خليهم يخلصوا اللي عندهم.
صاحبتها الأنتيم، فريدة، اللي كانت واقفة على بعد كام متر، جريت عليها وهي مرعوبة
كامي، إنتي كويسة؟
كامليا مردتش.
مش عشان مسمعتهاش، لأ، عشان كانت مستنية اللحظة دي بقالها أربع سنين.
يمكن عمرها ما تخيلت إنها هتيجي بالشكل ده، ووشها بيوجعها من القلم وقلبها مكسور، بس كانت عارفة إن في يوم من الأيام، أهلي مش هيلاقوا كدبة تانية يستخبوا وراها.
سنين طويلة، وأحمد وفاطمة مطلعين إشاعة في العيلة كلها إن كامليا سابت التعليم وفشلت.
إنها مأنتخة وكسلانة.
إنها ماشية في سكة شمال ومع شلة بايظة.
إنها مابتفهمش في العلام ومفيش منها رجا.
وإنهم كأب وأم، غلب حمارهم معاها ومش عارفين يعملوا إيه مع بنت جاحدة ومابتطمرش فيها التربية.
بس الحقيقة كانت في حتة تانية خالص.
كامليا كانت واخدة منحة نص مصاريف من الجامعة من شطارتها.
كل يوم الصبح، كانت بتنزل تطحن في شغلانة في كافيه في وسط البلد.
وبعد الظهر، كانت بتدي دروس تقوية لعيال ثانوي عشان تجيب قرشين.
وبالليل، كانت بتقعد تذاكر لحد ما النهار يشقشق.
كان بتعدي عليها أيام متنامش فيها غير تلات ساعات.
وأيام تانية، تقضيها ب سندوتش فول وكوباية شاي طول اليوم عشان توفر المصاريف وتدفع قسط الجامعة.
ياما دخلت حمامات الجامعة وقفتلت على نفسها وفضلت تعيط لحد ما قلبها يقف عشان محدش يشوف كسرتها.
ورغم كل ده، مستسلمتش ولا وقعت.
اليوم ده، لما اسمها اتنده في المايك عشان تطلع تستلم شهادتها بمرتبة الشرف الأولى، الساحة كلها اتهزت من كتر التصفيق.
وفي نفس اللحظة دي، أخوها الصغير ضحكته اختفت.
باهر الشناوي كان واقف ورا أبوه وأمها، لابس بدلة على الحبل، وساعة براند، وجزمة بتلمع.
دايماً كان هو نوارة العيلة والبكري اللي بيرفع الراس.
ده وهو ساقط مرتين في الجامعة الخاصة اللي كان بيلقط فيها وشه.
ده وهو مخسر أبوه الشغل والمشروع اللي مولهوله من ألفه لياءه.
ده وهو عمره ما ثبت في شغلانة أكتر من ست شهور.
بس هو، مكنش بيمد إيده على حاجة ومبتجيش.
المصاريف مدفوعة، العربية تحت رجليه، فلوس الفسح والساحل جاهزة، والموبايل بيتغير كل ما موديل جديد ينزل.
أما كامليا، لما كانت تطلب منهم جنيه واحد عشان تدفع قسط الترم، الرد كان بيجي كرباج في وشها
مفيش فلوس.. نشحتلك يعني؟
بس لما أحمد شاف بنته طالعة على المسرح والناس كلها بتسقف لها وبتهتف باسمها، نظرة عينه اتغيرت.
مكانش فخر خالص.
كان غل وعقدة نقص.
كأن كل سقفة من الناس دي، بتهينه هو شخصياً وبتكشف كدبه.
عشان كده شق وسط الناس.
وعشان كده رفع إيده.
وعشان كده رزعها القلم ده قدام الدُنيا كلها.
كامليا أخدت نفس طويل من جوة قلبها.
وطت بالراحة.
لمت الكاب بتاعها.
فضت التراب من على علبة الشهادة.
خدها كان لسه معلم ومحمر، بس صوتها طلع زي الطلقة، ناشف وميهتزش
عندك حق يا بابا.. قالتها وهي بتبص في عينه ومبرقة، الناس كلها لازم تعرف الحقيقة.
فاطمة برقت وعينها طلعت لبرة من الرعب
كامليا.. إياكي! بلاش جنان!
بس خلاص، السهم طلع ومفيش رجوع.
كامليا مشيت بخطوات ثابتة وطلعت على المنصة.
رئيس الجامعة كان واقف ومثبت المايك في إيده، ومبرجل مش عارف يتدخل ولا يلغي الحفلة ويفض المولد ده.
بكل برود أعصاب، كامليا فتحت الدوسيه اللي في إيدها.
طلعت منه ظرف بني كبير.
كانت شايلاه طول اليوم ومتبتة فيه بأيدها وأسنانها، كأن جواه السر اللي هيقلب الترابيزة على الكل.
بصت لرئيس الجامعة، الدكتور عادل زهران، واتكلمت في المايك وصوتها مسمع في أخر الدنيا
سيادة الدكتور.. قبل ما أمشي من الجامعة دي، أنا عايزة أقدم بلاغ علني قدام الكل، في الناس اللي سرقوا الفلوس اللي كانت مخصصة