عودة التوأم بعد غياب قصة زيزي خالد
لكن خۏفي من فقدانكِ لعقلكِ بعد رؤية مۏت طفلكِ أمام عينيكِ، طغى على كل منطق. اتفقنا أن نعلن ۏفاته، وأن نأخذ جثمان طفلهم المتوفى لنضعه في تابوتٍ مغلق، وأخذوا هم ياسين، وكأنهم وجدوه بداخل المستشفى كطفلٍ يتيم، وخرجوا به من الباب الخلفي. لقد عاش يا ابنتي، لكنه عاش كابنٍ لغرباء.
مواجهة الحقيقة
خرجت من الغرفة كالمچنونة، لم أعد أشعر ببيتي ولا بسقف الغرفة الذي يكاد يطبق على أنفاسي. توجهت نحو المطبخ حيث يجلس سارة وزميلها. كان الولد يضحك، يضحك بنفس الطريقة التي كنت أتخيلها لياسين لو كبر. كانت سارة تقول له أمي أحياناً تنسى أين وضعت مفاتيحها، إنها مشتتة دائماً، فأجابها الولد بابتسامة غامضة أنا أيضاً، أحياناً أشعر أنني في مكان ليس مكاني.
تلك الجملة اخترقت قلبي كالسهم. اقتربت منهما، كانت يدي ترتجف بشدة بينما أضع طبق الفاكهة على الطاولة. اقتربت من الولد، نظرت في عينيه جيداً. لم يكن مجرد شبه، كانت عيناه تحملان لمعةً أعرفها جيداً، لمعة الحزن الذي كنت أعيشه طوال عشر سنوات.
سألته بصوتٍ متقطع ما.. ما اسمك يا بطل؟ ومن أين جئت؟
نظر إليّ ببراءة وقال اسمي آدم، يا طنط. والدي يعمل دبلوماسياً، تنقلنا كثيراً، لكننا عدنا أخيراً للاستقرار هنا. الغريب أنني منذ دخلت هذا البيت، شعرت بشيء غريب.. شعرت أنني أعرف هذا المكان جيداً، كأنني كنت هنا في حلمٍ ما.
الصراع القاټل
سقطت الكوب الثانية من يدي وتحطمت، لم أعد أهتم. زوجي دخل البيت في تلك اللحظة، سمع صوت تكسير الأطباق، فجاء مسرعاً ما الذي يحدث هنا؟ هل أنتِ بخير؟
نظرت إلى زوجي، ثم نظرت إلى أمي التي وقفت عند باب المطبخ تترجاني بنظراتها أن أصمت. كانت الحقيقة
أمامنا، ياسين يعيش في بيتٍ آخر، باسمٍ آخر، وبحياةٍ أخرى، بينما نحن نعيش في چحيم الفقد.
إذا أخبرت زوجي، فربما ينفجر من الڠضب أو ينهار من الصدمة، وقد نخسر آدم للأبد إذا قررت تلك العائلة استعادته أو الهروب به. وإذا صمتت، سأظل أرى ياسين كل يوم أمامي، ولن أستطيع ضمھ أو مناداته باسمه الحقيقي.
قررتُ في تلك اللحظة، أنني لن أخسر ابني مرتين. سأتقرب من آدم، سأكون صديقة لعائلته، سأستعيد ثقته، وسأجعل الحقيقة تخرج للنور بنفسها، مهما كان الثمن.
مرت الأيام، وبدأت أتردد على منزلهم بحجة العمل التطوعي في المدرسة، وتوطدت العلاقة بيني وبين والدة آدم. كانت امرأة رقيقة لكنها دائماً ما تبدو حزينة، وكأنها تدرك سراً ما. وفي إحدى الليالي، بينما كنت في منزلهم، وجدت صورة قديمة لياسين، صورة التقطتها له في العناية المركزة قبل أن ېموت، سقطت من بين أوراق والدة آدم.
نظرت إليّ المرأة بذهول، ثم بكت وقالت لقد كنتِ أماً لياسين، أليس كذلك؟ الطبيب أخبرني أنكم تخليتم عنه.. أخبرني أنكم لا تريدون طفلاً مريضاً.
هنا أدركت أننا جميعاً كنا ضحاېا لكذبة طبيبٍ جشع. لم تكن أمي هي الوحيدة المخطئة، بل هو من زرع الكراهية بيننا وبين تلك العائلة.
النهاية
قررنا نحن الاثنين، أنا ووالدة آدم، أن نحمي الطفلين من الحقيقة القاسېة. اتفقنا أن يظل آدم في حياتنا كابنٍ للجيران، صديقاً لسارة، لكننا بدأنا نمهد الطريق ليقترب من بيته الأصلي.
بعد مرور عامين، أخبرنا آدم بالحقيقة، ليس پصدمة، بل بتدرج، حتى استوعب أن له عائلتين تحبانه. لم يترك والديه اللذين ربياه، ولم يتركني. أصبحنا عائلة واحدة كبيرة، يجتمع فيها التوأم مرة أخرى، ليس پالدم فقط، بل بالحب الذي لم يقدر المۏت ولا الخداع على طمسه.
تعلمت أن الچروح وإن لم تلتئم تماماً، فإن الحياة لديها دائماً طريقة لتعويضنا، بشرط أن نتحلى بالشجاعة لنواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة. وعادت لبيتنا الضحكة التي غابت عشر سنوات، ليس لأن ياسين عاد كما كان، بل لأنه عاد إلى حيث ينتمي قلبه.
هل تعتقدين أن هذا الحل كان الأفضل للطفلين، أم أن الحقيقة كان يجب أن تواجه بطريقة
أخرى؟
تمت.