أمه طردت مراته وهي حامل
هو كان زي الثور الهايج، وشه أزرق وعروق رقبته هتفرقع، بيزق في الناس وعينه عليها وهي بتلم ابنها في حضنها وبتترعش:
"دي مراتي! هربت مني ومن بيتي بقالها سنتين وجاية تتبهدل هنا؟ وابن مين اللي في إيدها ده؟ انطقيييي!"
هنا.. الست اللي كانت من ثواني هربانة من عينه، صراخها وعجزها اتمسحوا فجأة. الكلمة لمست شرفها وعرضها وسط الناس اللي حموها وسندوها سنتين. وقفت بطولها، حطت الواد على قفص بلاستيك وراها، وطلعتله من ورا الميزان.. صوتها مكنش طالع يعيط، صوتها طلع زي الطلقة الشرخت زحمة المكان:
> "ابنك! ابنك يا ابن الأصول اللي أمك رمتني بسببه في الشارع الساعة تلاتة الفجر! ابنك اللي وحام أمك جه على إني أتنازل عن مؤخري ودهبي وأمضي على بياض عشان تضمن إني أفضل جارية تحت رجلها، ولما رفضت، رمتني بهدومي في عز المطر وقالتلي: 'غوري اندفني في أي داهية، ولو قولتيله مش هيصدقك.. ده خاتم في صباعي'.. وفعلاً، طلعت خاتم في صباعها وسيبتني سنتين عايشة في جهنم!"
>
فتحت شنطتها القماش القديمة بـإيد بتترعش، وطلعت منها كيس بلاستيك شفاف، فيه شهادة ميلاد كمبيوتر، رمتها في صدره بكل قوتها:
"خد! اقرأ اسمك واسم أبوك وجدك.. اقرأ ابن مين ده اللي جاي بتتشطر عليا وبتتهمني في شرفي وسط الناس! أنا مأكلتش لقمة حرام، أنا عشت سنتين ضهري محني فوق الفرش ده عشان الواد ده ميتذلش لأهلك!"
هو مسك الورقة، عينه جت على اسم المولود.. واسمه هو خماسي متبوع بـ "أب". بص للواد اللي وراها.. الملامح هي ملامحه، نفس النمش اللي تحت العين، ونفس النظرة الحادة.
الدنيا لفت بيه، والسوق كله سكت.. البياعين اللي كانوا رافعين إيديهم عشان يضربوه، نزلوا إيديهم وبصوا له بنظرات احتقار تقتل. واحد من كبار السوق، راجل عجوز، تف على الأرض وبص له وقال:
"يا خسارة الرجولية يا ابني.. الست دي عيشتها مكنش فيها راجل، ويوم ما ظهر، ظهر عشان يقلب فرشها ويفضحها؟ امشي يا بني من هنا.. مرتك بـ 100 راجل من عينتك."
## مواجهة الحقيقة.. زلزال في البيت
مبقاش شايف قدامه، الورقة في إيده زي الجمرة اللي بتحرق صوابعه. ساب السوق وجري في الشوارع كأنه مجنون، لحد ما وصل لبيت أمه. دخل ورزع الباب وراه لدرجة إن الحيطة شرخت.
أمه كانت قاعدة في الصالة، بتشرب شاي وبتتفرج على التلفزيون بكل برود. اتخضت من دخلته:
"جرى إيه يا واد؟ داخل زي القضا المستعجل ليه؟"
رمى شهادة الميلاد في حجرها وزعق بعلو صوته، صوت هز أركان البيت:
"أنتِ عملتِ إيه؟! مراتي فين يا أمي؟ ابني فين؟"
أمه لفت وشها وبأعصاب تلاجة قالت: "أنا إيش عرفني بالسهونة دي؟ مش قولتلك هربت وراحت لأهلها؟"
في اللحظة دي، دخل "عم متولي" البواب وهو سامع الصريخ، وشه كان جايب ألوان. البطل مسكه من طوق قميصه: "انطق يا متولي.. مراتي مشيت إزاي من هنا من سنتين؟ انطق بدل ما أضيع عمري وعمرك دلوقتي!"
البواب خاف وعينه دمعت وبص للأم: "سامحني يا بيه.. الست الوالدة حلفِت بطردي وقطع عيش عيالي لو فتحت بوقي.. الحاجة هي اللي طردت الست هانم الفجر ورمت هدومها وراها، والهانم كانت بتعيط وتبوس إيدها عشان تسيبها لحد ما النهار يطلع، بس الحاجة قفلت الباب في وشها!"
الأم وقفت وزعقت: "أنت بتصدق البواب وتكدب أمك؟ أنا عملت كده عشانك! عشان أكسر مناخيرها ومتركبش وتدلدل رجليها في البيت!"
الابن بص لأمه، ولأول مرة يشوفها على حقيقتها.. مكنتش حماية، كانت "خرابة بيوت". دموعه نزلت من القهر والندم:
"كسرتِ مناخيرها؟ أنتِ كسرتِ ضهري أنا.. سنتين مخلية سيرتي وسيرة شرفي على كل لسان وأنا ظالم ونامت عيني؟ أنتِ مش أم.. أنتِ هديتي بيتي وضيعتي ابني، والبيت ده أنا مش عتبة بابه تاني ليوم الدين!"
شال شنطة هدمه الأساسية، وأمه بتصرخ وراه وتدعي عليه، سابها وخرج ومبصش وراها، قفل صفحة الماضي الألمعي اللي عاشه على عماه.
رجع السوق.. الزحمة كانت بدأت تخف والشمس بتميل للغروب.
لقاها قاعدة، بتلم الخضار المتبهدل من على الأرض وتصفي دموعها، والواد الصغير نايم على قفص وشه في الأرض.
مشي لحد ما بقى واقف قدامها.. والمرة دي، مكنش قطر هاجم، كان بني آدم مكسور، مهدود، طالع من معركة خسر فيها نفسه.
نزل على ركبه في وسط الطين والخضار المتبعتر.. قدام بياعين السوق كلهم اللي كانوا لسه بيراقبوا. مسك إيدها وبكا زي العيل الصغير:
"أنا غبي.. أنا عشت سنتين أعمى، الغرور والجهل عموا عيني.. حقك عليا، لو عايزة تدبحيني ادبحيني، بس متبعديش تاني."
هي بصت له.. الوجع اللي في قلبها مكنش هينتهي بكلمتين، والكسرة بتاعة ليلة الشتا مش هتمسحها دموع متأخرة سنتين. سحبت إيدها منه براحة، بس صوتها كان فيه حسم وقوة ميرجعوش لورا:
"أنا مش هقولك مش مسامحاك.. عشان الواد ده ملوش ذنب يعيش يتيم وأبوه عايش. بس بيتك وأمك.. أنا مش هعتبهم تاني لو رقبتي هتنقطع."
وقف على رجله، ومسح دموعه، وبص في عينها بكل عزم:
"ولا أنا هعتبهم.. أنا سيبت البيت والورث وكل حاجة ورايا.. أنا اشتريت شقة صغيرة باسمك وباسم ابننا في أول الشارع هنا من شقايا، وعقدها معاكي من النهاردة.. وأم الخبث دي ماليش عودة ليها. أنا جاي أبدأ معاكي من تحت الصفر.. بياع في السوق، حمال، أي حاجة.. المهم أفضل تحت رجلك ورجل ابني."
هي بصت له طويلًا، شافت في عينه الصدق اللي عاشت سنتين مستنياه. وطت، شالت ابنها اللي بدأ يصحى ويفوق، وبصت لجوزها وقالت برأس مرفوعة:
"شيل الميزان والفرش ورايا يا ابن الأصول.. بيتنا الجديد مش هيدخله حد ظلمنا، واليوم اللي فات مش هيتفتح كتابه تاني."
مشوا هما التلاتة في ممر السوق وهو شايل حمل الخضار على ضهره، بس المرة دي الحمل مكنش تقيل.. ده كان أول خطوة في طريق رجوع روحه اللي تاهت منه سنتين.