في عز الزلزال سما سامح
في عز الزلزال، كنت محبوسة تحت الأنقاض ومعايا ابني اللي جسمه بيولع من السخونية، وفي نفس اللحظة اللي كنت بصرخ فيها، جوزي كان شايل "السكرتيرة" بتاعته عشان يركبها الإسعاف!
الأرض اتشققت بينا، وجوزي اختار واحدة تانية غيري. وفوق راسي، سقف الفندق كان بيسمع صوته وهو بيقع، وابني "مازن" اللي عنده 7 سنين بيموت بين إيديا من الحرارة، وشفت "دانيال" شايل السكرتيرة بتاعته "فانيسا" ورايح بيها ناحية الإسعاف كأنها هي الوحيدة اللي تستاهل تعيش.
"دانيال!" صرخت بكل قوتي من وسط ركام الممر. التراب كان بيدخل بوقي، ورجلي الشمال كانت محشورة تحت كمرة خرسانة. "مازن ابني محتاج مساعدة، حرارته عالية!"
دانيال لف وبصلي بصه واحدة.
جنبه كانت فانيسا متعلقة برقبته، ورباط ضاغط على رجلها، وشعرها اللي كان يجنن بقى كله تراب. "داني، والنبي.. رجلي بتوجعني، أرجوك."
عينه جت عليا، وبعدين على ابنه. مفيش خوف.. مفيش حب.. بس "زهق".
زعق وهو بيبص للمسعف: "مفيش مكان، بتوع الإنقاذ هيرجعوا تاني."
المسعف كشر وقاله: "يا فندم الولد سخن ومحتاج إسعاف، ممكن نركبهم معانا..."
دانيال قاطعه بصوته اللي بيستخدمه لما يحب يوري الناس فلوسه وسلطته: "قلت هي اللي تركب الأول! مراتي دي درامية وبتحب تمثل، هتعرف تدبر نفسها."
وبعدين دخل الإسعاف وهو شايلها، والباب اتقفل في وشي.
مازن كح بصوت ضعيف: "بابا مشي؟"
بست جبينه اللي بيغلي بدموع محبوسة: "لا يا حبيبي، بابا بس عمل اختيار.. واختار غلط."
بصيت من الحيطة المهدومة والإسعاف بيبعد وصوته بيختفي. في لحظة الصمت دي، حسيت بحاجة جوايا ماتت. يمكن دي كانت الصدمة، أو يمكن ده كان أول مسمار في نعش انتقامي.
دانيال قضى 8 سنين بيحسس الكل إني "عويلة" وغلباوية. الزوجة الهادية، الأم الضعيفة، اللي بيسكتها وسط الناس، ولو فتحت بوقي يصلحلي ويقول للناس "معلش هي على نياتها". مكنش يعرف إني بطلت أرد عليه قدام الناس مش خوف، بس لأني بدأت أوثق كل غلطة بيعملها في الخفاء.
الفندق اللي واقع بينا ده كان مشروعه الجديد، "برستيج" فتحه بسرعة قبل ما ياخد تصريح السلامة، وأنا كنت عارفة ده لأني معايا الإيميلات اللي تثبت إنه أمر العمال يداروا الشروخ بـرخام.
فجأة، صوت هليكوبتر هز السما.
افتكرته هزّة أرضية تانية، بس الهوا اللي دخل من وسط التراب كان أقوى. هليكوبتر سودا ضخمة نزلت في قلب الحطام، وكشافها بيشق الضلمة.
رجال ببدل إنقاذ نزلوا من الهليكوبتر، ووراهم راجل بشعر فضي لابس بالطو كحلي، طالع بيبص بصه كأنها عاصفة.
أبويا.
مش مجرد مدرس متقاعد زي ما دانيال فاكر.
"إكرامي الشاذلي"، رجل الأعمال وصاحب الشركة الأم للفندق، الراجل اللي دانيال كان بيتحايل عليه عشان يقابله دقيقة، وهو أصلاً ما يعرفش إنه داس على كرامة بنته.
بصلي وبص لمازن، وعينه اتملت غضب.
سألني بصوت هز المكان: "مين اللي سابكم هنا؟"
ابتسمت وسط الدم اللي على شفايفي وقلتله: "جوزي يا بابا.....
أبويا ملس على راسي بيده اللي كانت بترعش من الغضب، وفي ثواني كانت رجال الإنقاذ شالتني أنا ومازن. في اللحظة اللي طارت فيها الهليكوبتر، أبويا بصلّي وقال جملة واحدة: "اللي عمله دانيال مش هيموت بسببه.. هو هيتمنى الموت وميلقاهوش. من اللحظة دي، إنتي ومازن ميتين بالنسبة للعالم كله."
أبويا استخدم نفوذه بالكامل؛ تم فرض تعتيم إعلامي صامت على أسماء الناجين من ذلك الممر بالفندق. دانيال خرج في القنوات والمواقع، لابس ثوب الضحية المفجوعة، يطبطب على كتف فانيسا قدام الكاميرات ويقول بدموع تماسيح: "خسرت مراتي وابني في انهيار الفندق.. أنا دمي محروق عليهم!" كان بيحاول يكسب تعاطف الرأي العام عشان يداري على كارثة إن الفندق انهار بسبب الغش في البناء.
مبقاش عارف إن "الجثث" اللي بيدور عليها، قاعدة في قصر إكرامي الشاذلي، بتراقب كل تحركاته عبر شاشات المراقبة.
أمّنت على حياة ابني مازن اللي اتعالج وبقى زي الفل، وقعدت مع أبويا والمحامين بتوعنا. فتحت اللاب توب بتاعي، وطلعت "الصندوق الأسود" لدانيال. ثماني سنين وهو فاكرني "على نياتي"، مكنش يعرف إني كنت بنسخ كل إيميل، كل تحويل بنكي مشبوه، وكل أمر مباشر بإخفاء شروخ الخرسانة تحت الرخام.
دانيال كان بيمر بأزمة مرعبة؛ شركات التأمين رفضت تدفع تعويضات الفندق المنهار قبل ما تخلص تحقيقات النيابة، والشركاء كانوا هيحبسوه. كان طوق النجاة الوحيد ليه هو إنه ياخد موعد مع رئيس "مجموعة الشاذلي للاستثمار" عشان يطلب منه اندماج إنقاذي أو قرض بضمان أسهمه.
أبويا ساب دانيال يدوخ ويلف حوالين نفسه لمدة شهر كامل، يرفض مقابلته ويرد عليه السكرتارية بتعالي، لحد ما دانيال وصل لمرحلة اليأس وبدأ يبيع أملاكه الشخصية.