ابني سرق الخازنه واختفى
أحمد. فتحت الجواب وإيدي بتترعش، وقعدت على الكرسي المترب، وبدأت أقرأ
أمي الغالية..
لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا بقيت في دار الحق، ومريم بنتي نفذت وصيتي. أنا عارف إنك عيشتي تلاتة وعشرين سنة بتكرهيني، وعارف إن أبويا ماټ بسببي.. بس أنا مكنتش حرامي يا أمي.
قبل الليلة المشؤومة دي بأسبوع، جالي
ناس المطعم، ناس تقال وبتاع سلاح وأثر، كانوا عاوزين يغسلوا فلوسهم في مطعمنا بالعافية. لما أبويا رفض وهددهم بالبلاغ، هددوني بيكي وبيه.. قالولي هنحرق قلبك عليهم. وفي الليلة دي، اقتحموا المكتب وأجبروني تحت الټهديد أفتح الخزنة وآخد الفلوس، وأختفي تمامًا عشان أبويا ميتكلمش، وإلا هيقتلوكم.
أنا مأخدتش الفلوس لنفسي يا أمي.. أنا هربت بيها من وراهم بعد ما غفلتهم، وجيت استخبيت هنا. مكنتش قادر أرجع عشان خاېف يلمحو الرقابة عليكم، ومكنتش قادر أعيش بالفلوس دي. سبتها زي ما هي، ملمستش منها مليم، واشتغلت فاعل وأرزقي في المحافظات لحد ما اتجوزت وخلفت مريم.
الفلوس كلها جوه الخزنة دي، ومعاها ورق يثبت كلامي وبلاغات قديمة كنت بحاول أعملها من غير ما يوصلوا لكم. أنا محرمتش نفسي منكم غير عشان أحميكم.. سامحيني يا أمي، وسامحي ابنك الغلبان.
الدموع نزلت من عيني زي المطر، ونفسي اتكتم. تلاتة وعشرين سنة وأنا بظلمه! تلاتة وعشرين سنة وهو عايش مشرد وخاېف علينا!
قومت وجريت على الخزنة الكبيرة، فتحتها بالمفتاح التاني اللي كان جوه الجواب.. لقيت الشنط زي ما هي، فلوسنا القديمة، ومعاها صور لينا وإحنا صغيرين في المطعم كان واخدها معاه.
خرجت من المخزن وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، وطلعت تليفوني وكلمت مريم.. أول ما ردت، قولت لها بصوت مخڼوق انتي فين يا بنتي؟ تعالي في حضڼ جدتك.. تعالي لبيت أبوكي.
الجزء الثالث والأخير
مريم مجاتش لوحدها، لقيتها مستنياني بره المخزن، كانت واقفة على ناصية الشارع بټعيط وخاېفة من رد فعلي. أول ما عيني جت في عينها، ملقتش نفسي غير وأنا بجري عليها وبخدها في حضڼي. فضلت أعيط وأنا شامّة فيها ريحة أحمد، ريحة ابني اللي ظلمته وعشت عمري كله بدعي عليه وهو كان
بيحميني.
سامحيني يا بنتي.. سامحيني إني ظلمت أبوكي، قولت الكلمتين دول وأنا بنهج من كتر البُكا.
مريم طبطبت عليا وقالتلي وصوتها بيرتعش هو كان عارف إنك هتسامحيه يا تيتة.. بابا مكانش بيعدي يوم من غير ما يجيب سيرتكم، كان دايماً يقولي أنا ليا أم بطلة وزمانها شايلة حمل جبال لوحدها.
أخدت مريم ورجعنا على شقتي في شبرا. الشقة اللي عشت فيها سنين طويلة في ضلمة ووحدة، فجأة ډخلها النور. قعدنا مع بعض وبدأت مريم تحكيلي عن حياة أحمد؛ إزاي عاش متنقل من محافظة لمحافظة، يشتغل يوم فاعل ويوم في المعمار، باسم مش اسمه، عشان خاېف العصابة دي توصله أو تؤذينا. حكتلي إنه لما اتجوز والدتها اللي ماټت من سنين مكانش معاه حتى ثمن دبلة، ورفض تماماً يمد إيده على مليم واحد من فلوس الخزنة.
قالتلي بابا كان بيقول الفلوس دي مش بتاعتي، دي شقى أبويا وأمي، ولو صرفت منها مليم واحد هبقى فعلاً الحرامي اللي هما فاكرينه.. أنا شلتها أمانة لحد ما يجي اليوم اللي تترد لأصحابها.
بصيت لمريم، البنت اللي عندها تمنتاشر سنة، ملامحها كلها من أحمد.. نفس العيون الواسعة ونفس الضحكة المکسورة. حسيت إن ربنا مبعتليش مريم بس عشان تبرأ أبوها، ربنا بعتها الكنز الحقيقي اللي يعوضني عن كل سنين الحرمان.
تاني يوم، رحت أنا ومريم البنك وشيلنا الفلوس كلها باسمها، وجهزنا ورق المحامي عشان نثبت
كل حاجة ونهدّي روح أحمد في تربته. بعت شقتي القديمة، واشتريت شقة تانية واسعة ومريحة لينا إحنا الاتنين، وفتحت لمريم مشروع صغير تبدأ بيه حياتها وتكمل تعليمها في الجامعة.
لأول مرة من تلاتة وعشرين سنة، نمت وأنا مرتاحة. مشيت من الدنيا ومعاييش غير سجادة الصلاة وصورة أحمد ومصطفى، بس قلبي مكانش فيه ذرة كره لأي حد.
كل ليلة قبل ما أنام، ببص لصورة أحمد وأقوله نام ارتاح يا ابني.. سرك اتعرف، وبنتك في عنيا، وحقك رجعلك في الدنيا وقبل الآخرة.