ضرب ابوه سما سامح
ضرب ابوه وقاله لو دخان السجاير مضايقك للدرجة دي... روح المقابر واستريح بقى يا حج وريحنا
وقف الحاج محمود عبد الحميد مكانه متجمد، وماسك المعلقة الخشب فوق حلة الفول. كان عنده 68 سنة، بيعاني من أزمة صدرية مزمنة من يوم ما توفت مراته أم أحمد، وإيديه متعوجة من سنين طويلة قضاها شغال ميكانيكي في ورش القاهرة. كل اللي طلبه إن نجلاء، مرات ابنه، ما تدخنش جنبه وهو بيجهز الغدا.
المطبخ كان ريحته مليانة رز بالشعرية وشوربة فراخ وعيش بلدي سخن. برا، صوت بياع الذرة كان مالي الشارع، لكن جوه البيت ماكانش فيه غير دخان وإهانة.
كانت نجلاء قاعدة بكل برود، بترمي رماد السيجارة في فنجان الشاي.
يا نجلاء، من فضلك... دخني في البلكونة. إنتِ عارفة إن نفسي بيتعب.
قالها وهو رافع بخاخة الربو في إيده.
ابتسمت من غير ما تبصله وقالت
وأنا كمان من حقي أعيش مرتاحة في بيتي. لو مش عاجبك، اقفل على نفسك في الأوضة اللي آخر الطرقة.
كان نفسه يقولها إن الشقة دي لسه باسمه هو، وإنه اشتراها قبل ما ابنه أحمد يتجوز بسنين. لكنه سكت... زي ما كان ساكت بقاله خمسة عشر سنة.
في اللحظة دي دخل أحمد، ابنه الوحيد. كان راجع متعصب، هدومه مكركبة وموبايله في إيده. أول ما سمع كلام أبوه، كشر بضيق.
هو إنت لسه هتفضل تعمل نفس الموال كل يوم؟
يا ابني، أنا بس طلبت منها...
ماكملش الجملة.
اتحرك أحمد بسرعة وضربه بالقلم على وشه.
اسكت بقى! إحنا زهقنا منك. ريحتك ريحة عواجيز، وكلامك كلام عواجيز، ووجودك بقى حمل علينا.
وقع الحاج محمود على الحوض، والنضارة طارت من على وشه واتكسرت على الأرض. الوجع كان شديد، لكن اللي وجعه أكتر إنه شاف ابنه واقف بيتفرج عليه من غير ما يمد إيده يساعده.
ضحكت نجلاء وقالت بسخرية
أخيرًا حد عرف يحطه عند حده.
وهو واقع وسط إزاز النضارة المكسور، افتكر الأيام اللي كان شايل فيها أحمد على كتفه في حديقة الحيوان، وافتكر لما دفعله مصاريف الجامعة، ولما باع عربيته القديمة عشان يساعده في مصاريف الجواز.
الراجل اللي قدامه دلوقتي كان بيبصله كأنه ولا حاجة.
قوم بقى... وبلاش تمثيل.
قالها أحمد ببرود.
جمع الحاج محمود بقايا النضارة بإيدين بترتعش. وبعد ما خرج أحمد ونجلاء من المطبخ وكأن شيئًا لم يحدث، عرف إن اللحظة دي كانت نهاية كل حاجة بالنسبة له.
دخل أوضته الصغيرة اللي في آخر الشقة، الأوضة اللي كانت زمان مخزن. كان فيها سرير ضيق، ودولاب قديم، وصورة أم أحمد، وكارت لمحامية اسمها الأستاذة هالة فؤاد، كانت قالت له قبل شهور
لما تحب ترتب أوراقك وحقوقك كلمني... ساعات ترتيب الورق بيرتب حياة كاملة.
طلع موبايله القديم واتصل بيها.
أستاذة هالة... معاكِ محمود عبد الحميد. أيوة... أنا جاهز دلوقتي. ياريت تيجي النهارده.
بعدها فتح صندوق قديم مخبيه ورا البطاطين. أخرج منه عقود ملكية وأوراق بنكية وعقود إيجار عمر أحمد ما شافها.
الشقة اللي عايشين فيها كانت ملكه بالكامل.
وكمان محلين تجاريين في وسط البلد.
وشقة صغيرة في مدينة نصر.
ابنه كان فاكر إنه عايش على معاش بسيط بالكاد يكفيه.
لكنه كان غلطان.
وأثناء ما كان بيرتب الأوراق، حس بألم حاد بيشق صدره. حاول ياخد نفسه، لكنه ماقدرش.
آخر حاجة شافها كانت صورة أم أحمد قبل ما يقع على الأرض فاقد الوعي.
ومن الصالة، سمع صوت نجلاء وهي بتضحك
يا ترى المرة دي العجوز وقع إيه؟
ماحدش في البيت كان يتخيل إن أول ما باب الأوضة هيتفتح، أحمد هيلاقي حاجة أخطر بكتير من مجرد أب مغمى عليه...
الجزء الثاني والأخير
لما أحمد فتح باب الأوضة بعصبية، لقى أبوه مرمي على الأرض، ووشه شاحب بشكل مخيف.
اتجمد مكانه للحظة.
بابا!
ركض ناحيته لأول مرة من سنين، وهز كتفه بقوة.
مافيش استجابة.
نجلاء دخلت وراها وهي متضايقة
هو أغمي عليه بس... متعملش فيها فيلم.
لكن لما شافت لون وشه اتغيرت ملامحها.
بعد عشر دقائق كانت عربية الإسعاف بتشق شوارع القاهرة.
وفي المستشفى، وقف أحمد قدام أوضة العناية المركزة لأول مرة وهو حاسس بخوف حقيقي.
لكن الصدمة الأكبر جت بعدها بساعة.
وصلت سيدة أنيقة في الخمسينات ومعاها حقيبة أوراق.
حضرتك أحمد محمود عبد الحميد؟
أيوة.
أنا الأستاذة هالة فؤاد... محامية والدك.
اتوتر أحمد.
خير؟
أخرجت ظرفًا مختومًا.
والدك سلمني الظرف ده من شهرين. وقالي لو حصله أي مكروه أو دخل المستشفى يتسلم ليك فورًا.
فتح