دخل ب12 جنيه سما سامح
وَلَد صغير دخل بفلوس ما تكملش اتناشر جنيه ومعاه شوية إزازات فارغة علشان يعالج رجله المكسورة لكن الدكتورة اكتشفت إنه ابنها اللي اتخطف منها من خمس سنين
ما تضربنيش أنا هبقى مؤدب.
الجزء الأول
لو معاكش فلوس، سيب الإزازات وامشي يا حبيبي قالت الممرضة للولد الصغير اللي دخل يعرج تحت المطر ورجله المكسورة بالكاد شايله.
كنت بقفل عيادتي الصغيرة للطب الشعبي في حي قديم من أحياء القاهرة، لما شوفته واقف عند الباب. هدومه كانت مبلولة بالكامل، والتيشيرت أوسع منه بكتير، والجزمة مفتوحة من قدام، وماسك كيس بلاستيك على صدره كأنه كنزه الوحيد.
يا دكتورة ممكن تعالجيني؟ أنا جبت فلوس.
فتح الكيس وحط على الترابيزة شوية عملات معدنية قديمة، وعلبتين كانز متطبقين، وتلات إزازات بيبسي فاضية.
الراجل بتاع الروبابيكيا قال إن دول يعملوا اتناشر جنيه وبكرة هجيب الباقي.
قال إن اسمه يوسف. أو على الأقل ده الاسم اللي بينادوه بيه. كان عنده خمس سنين تقريبًا. رجله اليمين متورمة ومتنية بطريقة تخوف، شكلها ماكنش نتيجة وقعة عادية أبدًا. ولما رفعت طرف البنطلون، شوفت كدمات قديمة، وحروق صغيرة في دراعه، وآثار ضرب واضحة كأنها من حزام.
لكن اللي جمد الدم في عروقي ماكانش الجروح.
كان وشه.
نفس الحاجب الرفيع نفس الدقن الصغيرة ونفس العيون الواسعة اللي شبه عيوني بشكل يخض.
اسم باباك إيه؟ سألت وأنا حاسة نفسي مش قادرة أتنفس.
الولد وطّى راسه.
حسام الشاذلي.
الاسم ضربني زي الصاعقة.
من خمس سنين، حسام كان جوزي. ابن عيلة من أكبر عائلات الدكاترة ورجال الأعمال في مصر، أصحاب مستشفيات خاصة ومراكز كبيرة بيتكلموا عنهم في التلفزيون والجرايد. وأنا؟ كنت دنيا، بنت بسيطة من الأرياف، اتربيت مع جدي اللي كان بيعالج الناس بالأعشاب لا معايا اسم كبير، ولا فلوس، ولا مكان وسط عالمهم.
لما ابني اتولد، عيلة الشاذلي شالوني من حياتهم كأني عار. أم حسام خلتني أمضي على ورق، وادتني فلوس، وقالتلي إن ابني هيعيش أحسن بعيد عني.
وصدقتها.
أو يمكن كنت بحاول أصدق علشان ما اتجننش.
ودلوقتي نفس الطفل واقف قدامي، بيطلب العلاج باتناشر جنيه وشوية خردة.
مين عمل فيك كده؟ سألت بصوت مخنوق.
يوسف اتكمش مكانه كأنه مستني ضربة.
أنا كنت وحش وقعت الميه وما نظفتش بسرعة ونمت قبل ما أغسل المواعين.
عضّيت على لساني علشان ماصرخش.
حطيته على السرير. كان خفيف أوي لدرجة حسيت إني شايلة هدوم مبلولة مش طفل. ولما جيت ألمس كاحله، غطّى راسه بإيده بسرعة.
ما تضربنيش بالله عليك أنا هبقى مؤدب.
في اللحظة دي فهمت إن ابني مش بس جسمه مكسور.
ده روحه كلها متكسرة.
نضفت جروحه، واديتله شوربة سخنة وبيضة ياكلهم. أكل بسرعة ومن غير ما يوقع نقطة، كأنه خايف حد يخطف الأكل من إيده في أي لحظة.
وبعدين حاول يقوم يغسل الطبق بنفسه.
أول ما نزل من على الكرسي وقع من الألم. جريت عليه وسندته، ففضل يردد وهو بيرتعش
آسف آسف آسف
المطر كان بيخبط في سقف العيادة الصاج، وريحت الأرض المبلولة مالية المكان. حضنته جامد من غير ما أقدر أقوله لسه إني أمه.
يوسف همست لو رجعتك البيت الليلة دي هيضربوك؟
ما ردش.
بس قفل عينيه وقال جملة كسرت قلبي نصين
هحاول ما أعيطش.
وساعتها عرفت إني مستحيل أرجعه هناك.
نومته في أوضة صغيرة جوه العيادة. كانت حرارته عالية، وهو نايم كان بيهذي
ما تحبسنيش يوسف هيسمع الكلام
مسكت موبايلي وإيدي بتترعش. كنت شطبت حسام من حياتي لكن عمري ما قدرت أشطبه من ذاكرتي. طلبت رقمه اللي حلفت زمان إني عمري ما هكلمه تاني.
رد من أول رنة.
دنيا؟
صوته كان أتقل
ومليان تعب.
ما سلمتش عليه.
لقيت يوسف.
سكت شوية.
هو عندك؟
أيوه. وعايزة أعرف حاجة واحدة كنت تعرف إن ابنك رجله بايظة من كتر الضرب؟
سمعت صوت كرسي وقع بعنف.
انتي فين؟
قفلت السكة.
بعد عشرين دقيقة، عربية سوداء وقفت قدام العيادة. نزل منها حسام تحت المطر، هدومه مبلولة ووشه شاحب وعنيه مليانة غضب جاي متأخر أوي.
دخلته الأوضة اللي يوسف نايم فيها. أول ما شاف رجله، والحروق، والكدمات وقف مكانه كأنه اتشل.
قرب يحط إيده على راس الولد.
يوسف وهو نايم غطّى وشه بسرعة.
ما تضربنيش ما تحبسنيش والله ما هعملها تاني
حسام سحب إيده كأن النار لسعته.
ولأول مرة من خمس سنين شفت الخوف في عيون الراجل اللي عمره ما خاف من أي حاجة.
حسام فضل واقف قدام السرير، باصص ليوسف كأنه أول مرة يشوفه فعلًا.
وشه كان متجمد بس عينيه كانت بتنهار.
أنا كنت واقفة بعيد، ضامة إيدي على بعض، والغضب جوايا بيغلي.
كنت فين طول السنين دي؟ سألت وأنا صوتي بيرتعش ابنك بيتعذب وإنت ولا داري!
حسام بصلي بصدمة حقيقية.
أنا كنت فاكر إنه عايش مع أمي في الفيلا القديمة كانت بتمنعني أشوفه كتير بحجة إنه تعبان نفسيًا بعد اختفائك.
ضحكت ضحكة مكسورة.
اختفائي؟ هما اللي طردوني!
قبل ما يرد، يوسف صحي مفزوع على صوتنا. أول ما شاف حسام، جسمه كله اتشنج، ورجع لورا بسرعة لدرجة إنه وقع من السرير وهو بيصرخ
حاضر! والله حاضر! ما تحبسنيش