توفي زوجي امس
توفى زوجي أمس وفي صباح اليوم التالي، وصل إلى حسابي المصرفي مبلغ 180 مليون دينار عراقي. وبعد دقائق، اتصل بي ابنه وقال جملة لن أنساها ما حييت
اهتز هاتفي.
مجرد صوت إشعار قصير.
كنت أجلس وحدي في صالة البيت الهادئة، ما زلت أرتدي الكنزة السوداء التي لبستها أمس في المستشفى، عندما ظهر الإشعار على الشاشة
تم إيداع مبلغ 180000000 دينار عراقي.
تجمدت في مكاني.
أمس فقط، كان زوجي، سيف الكيلاني، يصارع أنفاسه الأخيرة داخل غرفة بيضاء في مستشفى خاص بأربيل.
واليوم
رحل.
خمسة وعشرون عامًا معه.
خمسة وعشرون عامًا أعدّ طعامه، وأهتم ببيته، وأربي ابنه كأنه ابني.
والآن، لم يبقَ سوى هذا الصمت الثقيل وهذا المال.
بعد ثوانٍ فقط، بدأ الهاتف يرن.
الاسم الذي ظهر على الشاشة جعل الدم يبرد في عروقي.
رامي الكيلاني.
ابن سيف.
أجبت دون أن أتكلم.
كان صوته باردًا.
أبرد بكثير من صوت رجل فقد والده قبل ساعات.
وصلِك المبلغ؟
نظرت مجددًا إلى الإشعار.
نعم.
ساد صمت قصير.
ثم قال
هذا كان طلب والدي.
شددت قبضتي على الهاتف.
كان يعتبر أن هذا المبلغ كافٍ لشراء خمسة وعشرين سنة من حياتك معه.
شراء.
هذه الكلمة سحبت الهواء من صدري.
وكأن حياتي كلها يمكن محوها بتحويل مصرفي.
وكأنني مجرد موظفة انتهى عقدها وحصلت على تعويض.
شعرت بأصابعي تبرد.
لكن رامي لم ينتهِ بعد.
وأيضًا ترك وصية.
توقف قلبي لثانية.
الأستاذ فاضل سيقرأها هذا العصر. لازم تحضرين.
كان صوته آليًا.
بلا مشاعر.
بلا أي شيء إنساني.
ثم أغلق الخط.
بقيت واقفة وسط الصالة دون حركة.
عيناي معلقتان بالصورة المعلقة على الجدار.
كان سيف يبتسم فيها.
نفس الابتسامة التي أقنعتني قبل خمسة وعشرين عامًا أن أترك مدينتي الصغيرة قرب الموصل وأنتقل معه إلى بغداد.
وقتها، كنت في الثالثة والعشرين.
وكان هو أرملًا منذ سنوات.
استأجرني لأعتني بابنه الذي كان في الخامسة.
ثم قال لي ذات يوم
رامي يحتاج أمًا.
وأنا
بغبائي
صدقت أنه يحتاجني أنا أيضًا.
وقفت ببطء.
دخلت غرفة النوم وفتحت خزانة الملابس.
ألوان هادئة.
فساتين بسيطة.
كلها كما كان سيف يحب.
هادئة.
غير ملفتة.
كأن وجودي في حياته يجب أن يبقى بلا أثر.
أبعدت الملابس بيدي.
وفي الخلف، وجدت فستانًا أسود.
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي أمسكتُ الفستان الأسود بين يديّ للحظات طويلة.
لم أتذكر حتى متى اشتريته.
ربما في مناسبة لم يسمح لي سيف بحضورها أصلًا.
ابتسمت بسخرية مريرة.
خمسة وعشرون عامًا وأنا أعيش كظل داخل هذا البيت.
لا صوت مرتفع.
لا ضحكة طويلة.
لا رأي حقيقي.
حتى تسريحة شعري كان يختارها بنفسه.
أغلقت الخزانة ببطء، ثم جلست على طرف السرير.
لكن شيئًا داخلي كان مختلفًا اليوم.
كأن موته حرّر شيئًا ظل مخنوقًا بداخلي سنوات.
رن هاتفي مجددًا.
رسالة هذه المرة.
من رقم مجهول.
لا تثقي برامي واقرئي الوصية للنهاية مهما حدث.
حدّقت في الرسالة طويلًا.
ثم شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
مين أرسلها؟
ولماذا؟
في الساعة الرابعة عصرًا، وصلت إلى مكتب المحامي فاضل الجبوري في حي المنصور.
كان البيت القديم الذي حوّله إلى مكتب مليئًا برائحة الورق والقهوة الثقيلة.
وحين دخلت الصالة
رأيتهم جميعًا.
رامي.
وزوجته.
وأخته غير الشقيقة التي لم تكن تزور والدها إلا في الأعياد.
واثنان من رجال الأعمال الذين كانوا شركاء سيف.
الجميع التفت نحوي.
لكن لا أحد ابتسم.
وكأنني دخيلة.
وكأنني لم أعش مع الرجل نفسه ربع قرن.
قال المحامي بهدوء
تفضلي أم رامي كنا بانتظارك.
أم رامي.
حتى اسمي اختفى منذ سنوات.
جلست بصمت.
ثم فتح المحامي الملف الجلدي الأسود.
وبدأ يقرأ.
في البداية، كانت الوصية عادية.
أموال موزعة.
عقارات.
حصص شركات.
أرقام ضخمة جعلتني أكتشف للمرة الأولى حجم ثروة سيف الحقيقي.
ثم توقف المحامي قليلًا.
عدل نظارته.
وقال
وهناك بند أخير يتعلق بالسيدة ليلى.
رفعت رأسي ببطء.
لأول مرة، شعرت أن الجميع ينظر إليّ فعلًا.
قرأ المحامي
إلى زوجتي ليلى أعلم أنني ظلمتك أكثر مما اعترفت يومًا. وأعلم أن المال لا يُصلح ما كسرته بيدي
ارتجفت أصابعي.
أما رامي، فتغير وجهه فجأة.
وأكمل المحامي
لهذا أترك لها الشيء الوحيد الذي أخفيته عن الجميع طوال هذه السنوات.
ساد الصمت.
حتى صوت المكيّف اختفى من أذني.
ثم قال المحامي الجملة التي قلبت الغرفة كلها
أترك لها كامل ملكية شركة الكيلاني للطاقة وجميع أسهمي فيها.
شهقت زوجة رامي بصوت مرتفع.
أما رامي
فقفز واقفًا بعنف.
مستحيل!
ضرب الطاولة بيده حتى اهتزت أكواب القهوة.
هذا تزوير!
لكن المحامي أخرج ملفًا آخر بهدوء.
الوصية موثقة رسميًا قبل الوفاة بثلاثة أشهر.
شعرت أن الأرض تميد تحتي.
شركة الكيلاني وحدها كانت تساوي مليارات.
ليس 180 مليونًا فقط.
مليارات.
التفتُّ نحو رامي.
كانت عيناه مليئتين بشيء مرعب
ليس الحزن.
ولا الصدمة.
الخوف.
ثم قال وهو يقترب مني ببطء
يبدو أن أبي لم يخبرك بالحقيقة كلها.
عقدت حاجبي.
أي حقيقة؟
ابتسم ابتسامة باردة جعلت معدتي تنقبض.
ثم همس أمام الجميع
والدك الحقيقي لم يمت في الحرب مثلما أخبروك.
توقفت أنفاسي.
ماذا؟
أكمل وهو ينظر مباشرة في عيني
وأبي هو اللي كان سبب اختفائه.
سقط الملف من يدي.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة
ثم شحب وجهه فجأة.
رفع عينيه نحونا وقال بصوت مرتجف
الشرطة وصلت تحت وفي أمر باعتقال رامي حالًا.
يتبعتراجعتُ خطوة إلى الخلف كأن الأرض احترقت تحت قدمي.
مستحيل همست بصوت مكسور.
الرجل على السرير حاول رفع يده، لكنها سقطت على المرتبة من شدة الضعف.
ليلى أنا أنا أبوك
كلمة أبوك لم تكن مجرد صوت.
كانت طعنة كاملة اخترقت سنوات عمري كلها.
اقتربت ببطء، وركعت أمامه.
وجهه كان شاحبًا، محفورًا بالتعب والسنين، لكن عينيه
عينيه لم تتغيرا.
نفس النظرة في الصورة.
نفس الرجفة الخفيفة في الجفن.
مين عمل فيك كده؟ مين حطك هنا؟! صرخت وأنا لا أصدق ما أراه.
فتح فمه بصعوبة.
سيف الكيلاني
تجمدت.
اسم زوجي خرج من فمه كأنه لعنة.
هزّ رأسه ببطء، وكأن كل كلمة تقتله أكثر.
شعرت أن الهواء اختفى من القبو.
أنا ما متّش في الحرب أنا اختفيت بعد ما اكتشفت إنه سرق صفقة كبيرة كانت تخص الدولة وكان لازم أسجّل شهادة ضده
سكت ليلتقط أنفاسه.
ثم أكمل بصوت متهدج
في الليلة اللي قبل ما أروح للمحكمة اختفيت.
رفعت رأسي ببطء.
يعني خطفك؟
أومأ بصعوبة.
وحطّني هنا وقال للعالم إني ميت.
شعرت بدوار شديد.
كل شيء كنت أعرفه انهار.
زواجي.
حياتي.
حتى موت أبي.
كان كذبة كاملة.
وفجأة
تذكرت الجملة.
أبوك الحقيقي ما مات وأبي هو سبب اختفائه.
رامي كان يعرف.
كان يعرف كل شيء.
في تلك اللحظة، سُمِع صوت خطوات فوق القبو.
ثم صوت باب يُفتح في الأعلى.
تجمدنا معًا.
أبي همس بخوف
هو رجع
بلع ريقه بصعوبة.
سيف كان دايمًا يقول لو أحد اكتشف الحقيقة ما يطلع حي.
ارتجفت يدي.
لكن قبل أن أستوعب،