جوزي سابنى من 8 شهور
كامليا عمرها ما كانت تتخيل إن بيتها الهادئ اللي كانت بتحلم تكبر فيه وتجيب أطفال، يتحول في يوم من الأيام لمكان بارد مليان صدى الذكريات.
بعد سبع سنين جواز، كانت فاكرة إن الحياة مهما تعبت فيها، فهي على الأقل عندها راجل وسند وبيت. لكن في يوم عادي جدًا، أحمد وقف قدام الدولاب، طلع شنطتين كبار، وحط هدومه فيهم بمنتهى البرود، وقال لها وهو بيتجنب يبصلها:
— أنا مش مرتاح… وكل واحد لازم يشوف حياته.
الكلمة كانت كفيلة تهد جبل.
كامليا فضلت واقفة تبصله وهي مش فاهمة، مستنية يقول إنه بيهزر، أو إنه متضايق وهيعدي، لكنه لبس ساعته، خد مفاتيحه، ومشي.
بعد أسبوعين عرفت إنه اتجوز واحدة تانية اسمها سهر، بنت أصغر منها، عايشة في كمبوند فاخر في التجمع.
ومن يومها، أحمد اختفى تمامًا.
بلوك للمكالمات.
بلوك للرسائل.
بلوك حتى لأي محاولة سؤال.
كامليا عاشت بعدها كأنها ظل إنسانة.
كانت كل يوم تصحى على نفس الصمت، نفس السرير الفاضي، ونفس السؤال اللي بياكل قلبها: “أنا عملت إيه غلط؟”
لكن الحياة مكنتش مستنية تجاوبها.
أمها تعبت فجأة في الشتا، ودخلت المستشفى، وكانت كامليا هي اللي بتلف بين الدكاترة والتحاليل والصيدليات لوحدها.
أبوها وقتها كان قلبه تعبان، لكنه كان بيحاول يفضل قوي عشانها. كل ليلة كان يقولها:
— متكسريش يا بنتي… اللي يسيب حد بإيده، ربنا بيعوضه بحاجة أحسن.
وكانت تهز راسها وتسكت، لأنها مبقتش قادرة تصدق أي كلام عن العوض.
مرت الشهور ببطء قاتل…
لحد الليلة اللي قلبت الدنيا كلها.
أهلها كانوا راجعين من زيارة قرايبهم على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. الجو كان ضباب، والعربية اتقلبت بعد ما عربية نقل فقدت السيطرة.
الخبر وصلها الساعة ٢ بالليل.
ومن وقتها، كامليا حست إن روحها خرجت منها.
في يوم واحد فقدت أمها وأبوها… آخر ناس كانوا بيحبوها بدون شروط.
الجنازة خلصت بصعوبة. البيت كان مليان بخور، ووشوش معزية، وهمسات حزينة.
وهي قاعدة وسط كل ده، حاسة إن العالم بيبعد عنها حتة حتة.
تاني يوم، المحامي أستاذ فريد طلب يشوفها.
كانت قاعدة قدامه بعينين حمرا من العياط، وهو بيقول بهدوء:
— والدك ووالدتك كتبوا كل حاجة باسمك من سنين… الفيلا، المحل، الحسابات، وحتى التأمين.
كامليا بصت له بعدم استيعاب.
— يعني إيه؟
— يعني إنتِ الوريثة الوحيدة… وكل الممتلكات دي بقت باسمك.
الأرقام كانت ضخمة جدًا لدرجة إنها محسّتش بفرحة.
أكتر من خمسة وعشرين مليون جنيه.
لكن بالنسبة لها، ولا جنيه منهم يساوي حضن أمها أو صوت أبوها.
وفي نفس الليلة… أحمد رجع.
دخل البيت كأنه لسه صاحبه.
نفس الثقة القديمة، نفس النظرة اللي فيها استحقاق غريب.
لكن المرة دي، كان في حاجة مختلفة.
كامليا مبقتش نفس الست اللي سابها من شهور.
أحمد قعد بهدوء وقال:
— أنا جيت عشان نحل الأمور بالعقل.
كامليا بصت له بجمود.
— بعد ثمان شهور؟
اتنحنح وقال:
— مهما حصل… إحنا لسه متجوزين قانوني.
سهر كانت واقفة بعيد تراقب بصمت، لكن التوتر كان باين عليها.
أحمد حط ملف قدام كامليا وقال:
— دي شوية ورق تنظيمي بس… عشان أساعدك تديري كل اللي ورثتيه.
كامليا فتحت الورق، واكتشفت إنها توكيلات تخليه يتحكم في كل ممتلكاتها.
قفلت الملف بهدوء شديد، ورفعته ناحيته.
— لا.
أحمد اتفاجئ.
طول عمره كان متعود إنها توافق وتسكت.
لكن المرة دي، نبرة صوتها كانت حاسمة بشكل خضّه.
قال وهو يحاول يبتسم:
— إنتِ متوترة بس… وأنا مقدر ظروفك.
— وأنا كمان بقيت مقدرة نفسي.
الجملة وقعت عليه تقيلة.
حاول يتكلم كتير، يقنعها إنه “بيفكر لمصلحتها”، وإنها “ست لوحدها ومحتاجة حد يدير الأمور”، لكنها لأول مرة كانت شايفاه بوضوح.
مش الراجل اللي حبيته…
لكن شخص بيرجع وقت المصلحة فقط.
قامت بهدوء وفتحت باب البيت.
— اتفضل امشي.
أحمد وقف مصدوم.
— بتمشيني؟
— البيت ده بيت أبويا… والراحة النفسية فيه أهم من أي حد.
سهر شدته من إيده ومشيت معاه بسرعة، قبل ما الموقف يتحول لإهانة أكبر.
ولأول مرة من سنين…
كامليا قفلت الباب وهي مش بتعيط.
لكن القصة مخلصتش هنا.
بعدها بأيام، أحمد بدأ يبعت رسائل.
في الأول كانت هادية.
“خلينا نتفاهم.”
“إحنا عشرة عمر.”
“الفلوس متغيركيش.”
ولما تجاهلته، الرسائل بقت أطول وأغضب.
لكن كامليا كانت بدأت تتغير فعلًا.
رجعت تهتم بالفيلا القديمة.
دهنت الحيطان.
غيرت الأثاث.
زرعت الجنينة اللي أمها كانت بتحبها.
وبدل ما تفضل سجينة الحزن، قررت تعمل حاجة لأول مرة لنفسها.
فتحت مشروع صغير باسم أمها.
مكتبة وكافيه هادي في المعادي، فيه ركن قراءة مجاني للأطفال، وركن صغير لورش الرسم.
الناس بدأت تعرفها مش بصفتها “الست اللي جوزها سابها”، لكن بصفتها ست ناجحة وهادية ومحترمة.
ومع الوقت، ثقتها رجعت.
ضحكتها رجعت.
حتى شكلها اتغير… مش بسبب فلوس، لكن بسبب راحة عمرها ما حست بيها قبل كده.
وفي يوم افتتاح مشروعها، فوجئت بأحمد واقف بعيد.
كان باين عليه الإرهاق بشكل غريب.
العلاقة اللي جري وراها مدمتش، وشغله دخل في مشاكل، وكبرياؤه اللي كان ماليه بدأ يتكسر.
قرب منها وقال بصوت واطي:
— إنتِ اتغيرتي.
كامليا ابتسمت ابتسامة هادية.
— لا… أنا بس رجعت لنفسي.
سكت شوية، وبعدين قال:
— ممكن نبدأ من جديد؟
بصت له كام ثانية.
زمان، السؤال ده كان كفاية يخلي قلبها يضعف.
لكن دلوقتي، قلبها بقى أهدى وأنضج.
قالت بمنتهى الهدوء:
— بعض الأبواب لما بتتقفل، ربنا بيكون بيحمينا مش بيعاقبنا.
أحمد نزل عينه في الأرض.
ولأول مرة، فهم إنه خسرها فعلًا… مش يوم ما ساب البيت، لكن يوم ما استهان بقلبها.
كامليا سابته واقف ومشيت وسط الناس اللي جايين يباركولها.
ضحكت لطفلة صغيرة كانت بتجري في المكان، وعدلت طرحتها، وبصت للكافيه اللي كان منور ودافي.
في اللحظة دي، أدركت إن الحياة مبتقفش عند حد كسرنا…
وإن أقوى انتصار مش إنك تنتقم، لكن إنك تعيش مرتاح بعد كل اللي عديت بيه.
ومن يومها، كل ما حد يسأل كامليا إزاي قدرت تقف تاني بعد كل الخسارة دي، كانت ترد بابتسامة بسيطة:
— لما الإنسان يخسر ناسه، بيتعلم يختار نفسه أخيرًا.