في حفله خطوبه اخويا سما سامح
في حفلة خطوبة أخويا، دخلت القاعة والعروسة قربت مني وهمست بخبث:
"بنت الريف اللي ريحتها فلاحي وصلت."
ماكانتش تعرف إني أنا صاحبة الفندق… وإن أهلها كلهم بعد شوية هيتصدموا صدمة عمرهم.
سمعت الهمسة قبل حتى ما أشوف ابتسامتها.
"بنت الريف اللي ريحتها فلاحي وصلت."
قالتها بصوت واطي، وشفايفها قريبة من ودني، وإيديها المليانة ألماس ماسكة دراع أخويا أحمد كأنه ملكها لوحدها. حواليّ، نور النجف كان بينعكس على الترابيزات الدهب، وأبراج الشامبانيا، وورد الأوركيد اللي تمنه أغلى من أول عربية اشتريتها في حياتي.
بصيتلها بهدوء.
ياسمين وسّعت ابتسامتها أكتر.
أخويا أحمد ما سمعش كلامها… أو يمكن سمع وتجاهل. ودي كانت أوجع.
قال وهو بيبتسم ابتسامة مصطنعة:
"سارة… جيتي."
رديت بهدوء:
"أكيد."
عنيه نزلت على فستاني.
فستان كحلي بسيط وشيك.
لا فيه لمعة زيادة، ولا ماركة عالمية بتصرخ باسمها.
والدتها، مدام ناهد، لاحظت ده وضحكت وهي بترشف من الكاس.
"يا حرام… لابسة كأنها موظفة استقبال."
كام واحد ضحك بخفة.
خالتي بصت الناحية التانية.
أبويا شد فكه بعصبية لكنه ما اتكلمش. طول عمره بيهرب من المشاكل… حتى لما الإهانة تبقى قاعدة قدامه على نفس الترابيزة.
ياسمين قربت مني تاني وهمست:
"حاولي بس ما تحرجيش أحمد الليلة… الناس المهمة موجودة."
عديت بعيني على القاعة كلها… قاعة فندق "الملكي جراند".
فندقي أنا.
من 3 سنين اشتريته باسم شركة استثمار بعد ما كان قرب يفلس. رممت المكان كله، سددت الديون، ورجعت للفندق هيبته… من غير ما أحط اسمي في أي ورق ظاهر للناس، لأني بحب الخصوصية أكتر من الشهرة.
أحمد كان كل اللي يعرفه إني "بشتغل في مجال الفنادق".
وعمره ما سأل أكتر من كده.
أما أهل ياسمين، فكانوا يعرفوا أقل.
كل اللي يعرفوه إني بنت ريف، سبت البلد من سنين، ورجعت من غير جوز، ومن غير عربية فارهة، ومن غير ما أشرح نفسي لحد.
وبالنسبة للناس دي… السكوت معناه ضعف.
ابتسمت وقولت:
"مبروك."
ياسمين مسكت دراع أحمد أكتر وقالت بسخرية:
"ميرسي… مبسوطين إنك عرفتي تسيبي الغيط وجيتي."
المرة دي أحمد سمع.
وشه اتحرك للحظة…
وبعدين ضحك.
مش ضحكة عالية… ولا واضحة كفاية تخلي الناس تاخد بالها.
لكن أنا خدت بالي.
وفي اللحظة دي… حاجة جوايا بردت تمامًا.
جرسون عدى بصينية شامبانيا. أخدت كاس، مش علشان أشرب… بس علشان يبقى في حاجة أنيقة تشغل إيدي وأنا بقرر:
هما يستحقوا قد إيه من الرحمة الليلة؟
في آخر القاعة، مدير الفندق أستاذ شريف لمحني.
واكتفى بإيماءة صغيرة براسه.
ياسمين رفعت الكاس وقالت بصوت عالي:
"نخب العيلة!"
ابتسمت بهدوء.
وقولت:
"أيوه… نخب العيلة."
وسبتهم يستمتعوا بآخر ساعة ليهم وهم فاكرين إنهم الأقوى…
مرت ساعة، وياسمين كانت بتتحرك في القاعة كأنها ملكة متوجة، بتتباهى بالفستان والشبكة، وبترمي كلمات مسمومة لكل اللي يقرب منها، ومدام ناهد والدتها كانت بتوشوش ضيوفها: "أهل العريس ناس طيبين وبسطاء، إحنا اللي عملنا ليهم قيمة بالفرح ده."
وقفت في ركن هادي، وشاورت للأستاذ شريف، مدير الفندق، يقرب.
همست له بكلمتين بس: "ابدأ الإجراءات فوراً.. الغوا الخصم، وفعلوا العقد الأصلي."
شريف هز راسه بجدية وانسحب.
فجأة، المزيكا هديت، ودخل اتنين من الموظفين ببدل رسمية، ومعاهم "بوكيه" ورد أوركيد أسود -نادر جداً- واتجهوا مباشرة لياسمين.
ياسمين عينيها لمعت وقالت بدلع: "أكيد دي هدية مفاجأة من أحمد!"
لكن الموظف تخطاها ببرود، ووقف قدامي، وانحنى باحترام شديد:
"يا فندم، الورد ده وصل دلوقتي من فرعنا في باريس، تهنئة ليكي بمناسبة مرور 3 سنين على امتلاكك للمجموعة."
القاعة سكتت تماماً. ياسمين ضحكت بـ "استهزاء" وقالت: "تمثيلية بايخة يا سارة.. استأجرتي الموظفين دول بكام عشان تعملي ليكي لقطة في يومي؟"
أحمد قرب وهو وشه أحمر من المحرج: "سارة، كفاية جنان.. يالا نخلص الليلة دي من غير فضايح."
في اللحظة دي، دخل "المحاسب القانوني" للفندق ومعه ملف جلدي فخم. اتجه لوالد ياسمين، اللي كان قاعد بيشرب وهو فخور بنفسه، وحط الملف قدامه.
المحاسب قال بصوت مسموع للقاعة كلها:
"أستاذ مدحت.. بما إن حضرتك كنت بتطالب بخصم 50% على القاعة بصفتك قريب العريس، وبما إن صاحبة الفندق 'الآنسة سارة' لغت التوصية دي دلوقتي.. فالمطلوب من حضرتك سداد باقي المبلغ فوراً، وإلا سيتم إيقاف الخدمة وإخلاء القاعة خلال 10 دقائق."
والد ياسمين وقف مذهول: "صاحبة الفندق؟ مين دي؟"
المحاسب شاور عليا وقال ببساطة: "الآنسة سارة.. المالك الوحيد لمجموعة 'الملكي جراند'."
الصمت اللي ساد القاعة كان مرعب. الكاس وقع من إيد مدام ناهد واتكسر على الأرض الرخام. ياسمين وشها بقى أبيض زي الورقة، وبصت لأحمد كأنها بتستنجد بيه، لكن أحمد كان بيبص لي بذهول، كأنه أول مرة يشوف أخته.
قربت من ياسمين بهدوء، ووقفت قدامها. بصيت في عينيها اللي كانت مليانة "خُبث" من شوية، ودلوقتي مليانة رعب.
قلت لها بصوت واطي وواضح:
"بنت الريف اللي ريحتها فلاحي.. هي اللي سمحت ليكي ولأهلك يدخلوا المكان ده النهاردة.. وهي برضه اللي هتمضي على قرار طردكم دلوقتي."
ياسمين حاولت تتكلم: "سارة.. أنا.. أنا كنت بهزر.. إحنا أهل.."
قاطعتها ببرود: "الأهل مش اللي بيجرحوا بعض عشان 'الناس المهمة' يا ياسمين.. والناس المهمة اللي كنتِ خايفة أحرجك قدامهم؟ كلهم دلوقتي بيشوفوا والدك وهو بيطرد من الفندق عشان مش قادر يدفع الحساب."
والدها حاول يزعق: "أحمد! اتصرف! دي أختك!"
أحمد بص في الأرض، مكسور، مش قادر ينطق بكلمة.. لأنه عرف إنه خسر أكتر من مجرد برستيج، خسر السند الحقيقي اللي كان شايله من غير ما يحس.
شاورت للأستاذ شريف:
"شريف.. العفش اللي أهل العروسة جابوه المخازن هنا عشان الفرح، يخرج برا الفندق فوراً.. والحفلة دي انتهت."
بدأت أضواء القاعة الكبيرة تنطفي تدريجياً، والمزيكا وقفت تماماً. المعازيم بدأوا يمشوا وهم بيتهامسوا بصدمة.
ياسمين قعدت على الكرسي وهي بتعيط بانهيار، وفستانها الغالي بقى ملوش أي قيمة وسط الظلمة اللي سادت المكان.
وقبل ما أخرج من القاعة، لفيت لأحمد وقلت له جملة واحدة:
"الريف اللي بتضحك عليه يا أحمد.. علمني إن اللي ما يصونش أصله، ما يستحقش يعيش في القصور.. مبروك الخطوبة اللي ما تمت كملت."
خرجت من الفندق، ركبت عربيتي اللي كانت مستنية قدام الباب، وطلبت من السواق يتحرك. بصيت من الشباك على الفندق وهو بينور ورايا.. كنت هادية جداً، لأني أخيراً نضفت حياتي من ناس كانت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتعمل القيمة، وهما أصلاً "رخاص" جداً من جوه.
النهاية.