بضاعه تالفه سما سامح
"بضاعة تالفة"... أمي قالتها بصوت عالي وسط حفلة البيبي شاور بتاعة أختي.
"مكسورة لدرجة إنها عمرها ما هتبقى أم."
حوالي تلاتين شخص لفّوا يبصوا عليّا، بنظرات كلها شفقة وفضول.
وأنا؟ اكتفيت بابتسامة هادية وبصيت في ساعتي.
وفي اللحظة دي بالظبط... باب القاعة اتفتح.
دخلت نرمين، المربية بتاعت ولادي، وهي ماسكة إيد توأمي التلاتة اللي عندهم سنتين. ووراها وقف جوزي، الدكتور كريم السيوفي، رئيس قسم جراحة المخ والأعصاب، شايل توأمنا الرضّع.
فنجان الشاي وقع من إيد أمي أول ما جوزي قال بهدوء...
"يا جماعة..." صوت أمي علا وسط القاعة الفخمة في فيلا الزجاج بالتجمع، وجذب انتباه الكل بسهولة،
"لازم نراعي مشاعر إيمان النهارده شوية... أصل مش سهل إن واحدة تفرح لأختها وهي عارفة إن عمرها ما هيبقى عندها الحياة دي."
القاعة كلها سكتت فجأة.
كل العيون اتوجهت ناحيتي... نظرات شفقة، فضول، وترقّب.
"ماما كفاية..." قالت أختي ياسمين بتوتر.
لكن أمي كملت وهي مثبتة عينيها عليّا بنظرة قاسية فيها شماتة واضحة:
"لا، لازم الحقيقة تتقال. في ستات ربنا خلقهم علشان يكمّلوا اسم العيلة... وفي ستات تانية، مختلفة. بضاعة تالفة. مكسورة لدرجة إنها ما تنفعش تبقى أم."
"بضاعة تالفة."
نفس الكلمة اللي قالتها لي من سنين وهي بتطردني من حياتها.
كانت لسه فاكرة إني عايشة لوحدي في شقة صغيرة وبحاول أبدأ من جديد.
ماكانتش تعرف أي حاجة عن كريم...
ولا عن توأمنا الصغيرين، آدم وريم...
وطبعًا ماكانتش تتخيل المفاجأة اللي مستنياها بعد ثواني.
ماعيطتش.
على العكس... ابتسمت. ابتسامة هادية خلت ملامحها تتوتر للحظة. وبعدها بصيت في ساعتي:
الساعة كانت 1:19 بالظبط.
"هو ده فعلًا رأيك يا ماما؟" سألتها بصوت ثابت والكل سامعني،
"إن قيمة الست بتتقاس بقدرتها على الخلفة؟ وإن لو ما خلفتش تبقى مكسورة؟"
ضحكت بسخرية وقالت:
"أنا بس بقول الحقيقة يا حبيبتي... والحقيقة عمرها ما كانت لطيفة."
"الحقيقة؟" كررتها وأنا بلفّ بهدوء ناحية باب القاعة الكبير.
"تمام... يبقى نتكلم عن الحقيقة."
بصيت لها مرة تانية وقلت بهدوء:
"الأفضل تحطي فنجان الشاي من إيدك... واضح إنها بتترعش."
وفي اللحظة دي...
باب القاعة الخشب الكبير اتفتح ببطء، وصوت فتحه قطع الصمت اللي مالي المكان.
كل الموجودين لفّوا بصلهم ناحية الباب.
ماكانش الجرسون.
كانت نرمين... المربية بتاعة ولادي، داخلة بثقة وهي زاقة عربية أطفال ضخمة متفصلة مخصوص.
جواها كان قاعدين عمر، وياسين، وملك... توأمي التلاتة اللي عندهم سنتين، لابسين نفس اللبس الكحلي الأنيق.
وملك كانت بتلوّح للناس بابتسامة بريئة.
نرمين وقفت بالعربية جنبي وقالت بابتسامة هادية:
"آسفة على التأخير يا مدام السيوفي... ياسين وقع منه اللهاية عند النافورة اللي بره."
لفّيت وشي ناحية أمي... وشها كان فقد لونه تمامًا.
وقلت لها بهدوء...
وقفتُ وسط القاعة، يدي تلامس رأس "ياسين" الصغير، بينما عيناي لا تفارقان عيني أمي اللتين جحظتا بذهول. القاعة التي كانت تعجّ بالهمسات، أصبحت الآن صامتة لدرجة أن صوت دقات الساعة كان يُسمع بوضوح.
"قلتِ لي إيه يا ماما؟ بضاعة تالفة؟" سألتها بنبرة باردة كالثلج، "يا ترى القطع التالفة هي اللي بتجيب خمس هدايا من السما زي دول؟"
وقبل أن تستوعب الصدمة، ظهر الظل الطويل عند مدخل القاعة. كان دكتور كريم السيوفي. بخطوات واثقة وجاذبية هادئة، دخل وهو يحمل "آدم" و"ريم"، التوأم الرضيع، في حمالة مزدوجة على صدره. لم يكن مجرد زوج، كان "درعًا" بشريًا.
اتجه كريم نحوي مباشرة، تجاهل كل الوجوه المذهولة، وطبع قبلة على جبيني أمام الجميع، ثم قال بصوته الرخيم الذي تردد في أرجاء القاعة:
"يا جماعة.. بعتذر إني اتأخرت على حفلة مدام ياسمين، بس إيمان والولاد أخدوا وقت في التجهيز.. أنتم عارفين، خمس أطفال محتاجين جيش، مش مجرد أم استثنائية زي مراتي."
وقع فنجان الشاي من يد أمي فعلاً، وتحطم مئة قطعة على الأرض الرخامية، تماماً كما تحطمت كبريائها في تلك اللحظة.
المواجهة الحاسمة
كريم لم يكتفِ بالدخول، بل اقترب من أمي التي كانت تحاول استجماع شتات نفسها. مد يده ليسلم عليها وقال بابتسامة غامضة:
"أهلاً يا طنط.. أكيد حضرتك "نادية" اللي إيمان حكت لي عنها.. بس غريبة، كانت بتقولي إنك عندك بُعد نظر، بس واضح إن نظرك خانك المرة دي وانتي بتوصفي بنتك."
حاولت أمي أن تنطق، تلعثمت: "أنا.. أنا كنت فاكرة.. إيمان كانت بتقول إنها.."
قاطعتها وأنا أتقدم خطوة، وبنبرة خفيضة لا يسمعها إلا هي ومن حولنا:
"كنتِ فاكرة إني مكسورة؟ الحقيقة يا ماما إني فضلت سنين مخبية عنك حياتي، مش خوفاً منك، لكن حماية لولادي من طاقتك. الشخص اللي بيشوف بنته "بضاعة" ما يستحقش يعرف إن عندها "كنوز"."
في هذه اللحظة، تدخلت أختي ياسمين (صاحبة الحفل) وهي تبكي، لكنها لم تكن دموع حزن، بل دموع خجل: "إيمان.. أنا مكنتش أعرف.. ماما قالت لي إنك رافضة تخلفي وإنك بتتعالجي.."
ابتسمت لياسمين وقلت: "مبروك يا ياسمين، ربنا يتمم لك على خير. أنا جيت النهاردة عشان أبارك لك، وعشان أحط حد لأسطورة "البضاعة التالفة" قدام كل الناس اللي سمعوا الإهانة."
الضربة القاضية
التفت كريم للجمهور، وبأدب جمّ قال: "بما إننا في مناسبة سعيدة، أحب أعلن إننا قررنا نفتح فرع جديد لمؤسسة "السيوفي" للأطفال المبتسرين، وهيكون باسم (إيمان الهواري).. تقديراً للأم اللي واجهت المستحيل عشان تجيب الخمسة دول للدنيا."
هنا، بدأت الهمسات تتحول إلى تصفيق حار من المعازيم الذين تحول فضولهم إلى انبهار. "دكتور كريم السيوفي" ليس مجرد اسم، بل هو قمة الهرم الطبي والاجتماعي، وظهوره وهو يحمل أطفاله بكل فخر كان كفيلاً بقلب الطاولة تماماً.
أمي حاولت أن تقترب من "عمر" الصغير لتمسك يده، ربما لترمم صورتها أمام الناس، لكن الصغير انكمش واختبأ خلف "نرمين" المربية.
نظرتُ إليها للمرة الأخيرة وقلت:
"يا ماما.. الست مش بضاعة عشان تتلف، الست روح. وانتي اللي كسرتي الروح دي من سنين.. النهاردة أنا مش بس بقفل باب بيتي في وشك، أنا بمسح الكلمة دي من قاموس حياتي.. ولادي مش هيعرفوا "جدة" بتصنف البشر حسب قدرتهم الإنجابية."
أشرتُ لنرمين وكريم بالانسحاب. خرجنا من القاعة برؤوس مرفوعة، تاركين خلفنا "نادية" وحيدة وسط نظرات الناس التي تحولت من الشفقة عليّ.. إلى الاحتقار لها.
وعند باب القاعة، التفتُّ خلفي وقلت بابتسامة أخيرة:
"بالمناسبة يا ماما.. الساعة دلوقتي 1:30.. ميعاد نوم التوأم. الحقيقة دايمًا بتظهر في وقتها بالظبط."
النهاية.