أخويا بعتني أقعد على ترابيزة العيال
رجال أعمال، مؤسسات… كله بسرية تامة… وفلوسهم أكتر مما أهلي يتخيلوا.
بس عمري ما اتكلمت.
وهم عمرهم ما سألوا.
كنت بخلص رسم النار الخضرا… لما فجأة الجو اتغير.
الناس سكتت…
وكل العيون راحت ناحية الباب.
يوسف ثروت وصل.
وساعتها… عرفت إن اللي جاي هيقلب كل حاجة.
دخل يوسف ثروت القاعة بهيبته المعروفة، لابس بدلة سوداء بتفصيل مثالي، ونظراته حادة كأنها بتصور المكان كله في ثانية. كريم أخويا أول ما شافه، وشه نور بابتسامة "النصر"، وجري عليه هو ووالدي عشان يستقبلوه، وكأنهم بيستقبلوا ملك.
كريم بدأ يتكلم بحماس، بيحاول يفتح كلام عن "الرؤية المستقبلية" للشركة، ويوسف كان بيهز رأسه بمجاملة باردة، وعينيه بتدور في القاعة... كأنه بيدور على حد ضايع منه.
فجأة، يوسف قطع كلام كريم في نص الجملة، وسأله بصوت مسموع للكل:
— "هي فين؟"
كريم ارتبك: "هي مين يا فندم؟ العروسة؟ ثانية واحدة أناديها لسيادتك..."
يوسف كمل بحدة وهو بيبص في ساعته: "لا.. كاسي. أنا جاي هنا مخصوص عشان أقابلها، بعتتلي اللوكيشن وقالت إنها في فرح أخوها."
الصمت حلّ على الدايرة اللي حواليهم. كريم ضحك بلهوجة: "كاسي؟ أختي؟ أكيد حضرتك تقصد حد تاني، كاسي قاعدة ورا... يعني، هي مش مهتمة بأمور البيزنس، قاعدة مع الأطفال وكده."
يوسف عقد حواجبه باستنكار: "مع الأطفال؟!"
بدأ يوسف يتحرك في القاعة بخطوات واسعة وسريعة، وكريم وراه بيلهث وبيحاول يوقفه: "يا يوسف بيه، المكان هناك زحمة وصداع، خليني أجيبلك مشروب في ركن هادي..."
يوسف متجاهله تمامًا، لحد ما وصل لآخر القاعة... عند ترابيزة ١٩.
المشهد كان سينمائي: أنا قاعدة على كرسي صغير، فستاني الأزرق الغالي ملموم حوليّ، وماسكة قلم ألوان برسم "جناحات التنين" للطفل اللي جنبي، وشعري نازل على وشي بتلقائية.
يوسف وقف قدام الترابيزة. الأطفال سكتوا. خالتنا أمينة صحيت من النوم مخضوضة.
رفعت راسي، وعيني جت في عينه. ابتسمت بهدوء:
— "تأخرت يا يوسف. التنين ده كان محتاج رأيك في لون النار."
يوسف ضحك بصدق — ودي كانت أول مرة حد يشوفه بيضحك فيها بالعمق ده — وسحب كرسي أطفال صغير، وقعد جنبي من غير ما يهتم ببدلته اللي تمنها آلاف الدولارات.
— "آسف يا كاسي، الطريق للجبل كان صعب. بس الخطاب الأخير اللي كتبتيه... قلب موازين البورصة الصبح. كان لازم أشكرك بنفسي."
في اللحظة دي، كريم ووالدي وصلوا وهما نهجانين، ووشوشهم قلبت ألوان. كريم همس بصوت مهزوز:
— "كاسي؟ إنتي تعرفي يوسف بيه منين؟ وايه خطاب إيه اللي كتبتيه؟"
يوسف بص لكريم بنظرة استحقار خلت كريم يصغر في مكانه، وقال بنبرة تليج بمدير تنفيذي:
— "إنت بتهزر يا كريم؟ أختك هي "العقل الشبح" (Ghostwriter) ورا نجاح نص شركات التكنولوجيا في البلد. الخطاب اللي إنت لسه مكلمني عنه وبتقول إنه "عبقري"... هي اللي كاتباه. في الواقع، أنا كنت هرفض عرض الشراكة مع شركتك لولا إن كاسي هي اللي نصحتني أديك فرصة."
كريم كان بيبصلي وكأني كائن فضائي. والدي بدأ يحاول يصحح الموقف: "يا بنتي، ليه ما قلتيش إنك واصلة كده؟ تعالي، مكانك مش هنا، تعالي اقعدي على الترابيزة الرئيسية مع يوسف بيه."
قمت وقفت، نفضت فستاني بهدوء، وبصيت لكريم اللي كان لسه "مبهور" و"مرعوب" في نفس الوقت.
قلتله ببرود:
— "لا يا بابا، كريم معاه حق. أنا "مش لايقة" على الجو ده. أنا مستوايا هو الورقة والقلم، والناس اللي بتقدر الكلمة... مش الناس اللي بتقيّم البشر بأماكن قعادهم."
بصيت ليوسف وقلتله:
— "يوسف، أنا هتمشى شوية بره القاعة، الجو هنا بقى "خنيق" بزيادة. لو عايز نتكلم في العقد الجديد، نتقابل في المكتب يوم الأحد."
يوسف قام وقف بكل احترام: "أوصلك لعربيتك؟"
خرجت من القاعة وأنا ماشية وسط المعازيم اللي كانوا بيبصولي بذهول، وكريم واقف مكانه زي التمثال، ماسك كوباية بلاستيك من ترابيزة الأطفال وهو مش مستوعب إن "الأخت الغريبة" هي اللي كانت ماسكة خيوط مستقبله في إيدها.
سبت له "ماكينة القهوة" الإيطالي على ترابيزة الأطفال... عشان وهو بيشرب قهوته الصبح، يفتكر دايمًا إن اللي بيصنع "المنظر" هو اللي ورا الكواليس، مش اللي بيقف يتصور قدام المراية.
نهاية القصة:
كاسي ما رجعتش البيت يومها، سافرت في رحلة عمل لـ "لندن" في طيارة خاصة تابعة لشركة فانتج تيك، وكريم قضى شهر العسل وهو بيحاول يوصل لأخته في التليفون عشان "تصلح" علاقته بيوسف... بس كاسي كانت مشغولة بتغيير العالم، وما كانش عندها وقت لترابيزة "المهمين" المزيفين.