ابويا الحلاق

لمحة نيوز

كنت دايمًا بقول لزمايلي في المطار إن أبويا رجل أعمال…
كنت مكسوف أقول الحقيقة: إنه حلاق.
النهارده، وأنا بستقبل وفد دبلوماسي مهم، شوفته داخل الصالة بشنطة عدته القديمة… ساعتها حسّيت إن الأرض بتلف بيا! بس اللي حصل بعد كده خلاني أبوس التراب اللي بيمشي عليه 💔✈️”
أنا أدهم، كابتن طيار في واحدة من أكبر شركات الطيران. طول عمري بخبي مهنة أبويا الحقيقية: عم سيد الحلاق. كنت شايف إن مهنة بسيطة زي دي ما تليقش بمركزي ولا بالشكل اللي رسمته لنفسي قدّام الناس.
النهارده كان يوم استثنائي. استقبال وفد دبلوماسي رفيع المستوى، والمطار كله في حالة طوارئ.
وفجأة… شوفته.
أبويا داخل صالة الوصول، لابس جلبيته البسيطة، وشايل شنطة الحلاقة الجلد القديمة اللي حافظ شكلها من سنين. قلبي وقع في رجلي. اتمنّيت الأرض تنشق وتبلعني قبل ما حد من زمايلي أو من الضيوف يلاحظ وجوده.
جريت عليه علشان أطلّعه بره قبل ما تحصل فضيحة، بس قبل ما أوصل له… حصلت حاجة عمري ما كنت أتخيلها.
رئيس الوفد الدبلوماسي بنفسه، راجل أجنبي كبير في السن، ساب كل اللي حواليه وجري على أبويا،  بحرارة قدّام الكل!
أنا وزمايلي وقفنا مصدومين، مش فاهمين أي حاجة.
الراجل قال بصوت عالي، والمترجم واقف جنبه:
“ده مستر سيد… أحسن حلاق في العالم!
كنت عايش في مصر من 30 سنة، وكان هو الحلاق بتاعي. مستحيل أنسى إيده اللي بتلف في حرير. ولما عرفت إني جاي مصر، طلبت بنفسي إنه ييجيلي المطار علشان يحلقلي قبل ما أقابل رئيس الجمهورية، لأنه الوحيد اللي بيعرف يظبطلي شعري.”
أبويا ابتسم بتواضع، فتح شنطته، طلع الفوطة والمقص، وبدأ شغله في ركن الـVIP، وسط ذهول كل اللي واقفين.
الكل كان بيتفرج على خفة إيده وإتقانه، كأنهم قدّام فنان مش حلاق.
في اللحظة دي حسّيت إني قزم.
أنا اللي كنت مكسوف منه، طلع أستاذ في مهنته، وناس على أعلى مستوى بتقدّره وتطلبه بالاسم. زمايلي الطيارين قربوا منه، سلموا عليه، وقالولي:
“يا بختك بأبوك… ده فنان بجد!”
بعد ما خلّص، الراجل الأجنبي حاول يديه مبلغ كبير جدًا، لكن أبويا رفض وقال له بهدوء:
“دي هدية مني ليك يا خواجة… شرفت مصر.”
ما استحملتش.
جريت عليه، مسكت إيده وبوستها قدّام الكل، ودموعي نازلة.
قلتله:
“سامحني يا أبويا… أنا كنت غبي. إنت أعظم أب وأشرف راجل في الدنيا.”
العِبرة:
أوعى تحكم على حد من مهنته.
الشغل الشريف، مهما كان بسيط، لو اتعمل بإتقان وأمانة، بيرفع صاحبه لمكانة عالية جدًا.
الفخر الحقيقي مش في البدلة ولا المنصب…
الفخر في الأصل الطيب ولقمة الحلال.

تم نسخ الرابط