القصر اللي متبناش

لمحة نيوز

"يا أخي… فين القصر اللي بنيته؟! وإنت نايم في زريبة خنازير؟!"
كان ده صراخ عامل الغربة اللي رجع فجأة…
بس صوته اتكسر، ووقع على ركبه يعيّط، أول ما أخوه مدّله مفتاح وقال له:
"عشان ما تضطرش تسافر تاني أبداً."
آدم كان مهندس مدني شغال في الخليج.
عشر سنين كاملة وهو شغال في الحر والغربة،
كان بيبعت حوالي 80٪ من مرتبه لأخوه الكبير رمضان،
اللي عايش في قرية صغيرة في الصعيد.
وصيته كانت واضحة:
"يا رمضان، إبني لنا قصر.
عايز لما أرجع، الناس كلها تشوف إننا بقينا حاجة كبيرة."
كل مرة آدم يتصل،
رمضان يرد بنفس الجملة:
"ما تقلقش يا آدم… القصر بيطلع تحفة."
كان دايمًا يرفض يبعت صور.
ويقول له:
"سيبها مفاجأة."
الرجوع
آدم قرر يرجع من غير ما يقول.
عايز هو اللي يفاجئ أخوه،
ويشوف بعينه حلم عمره.
أول ما وصل على أرض العيلة…
الدنيا اسودّت في عينه.
مفيش قصر.
مفيش بوابة حديد.
مفيش حتى سور.
بس البيت القديم…
سقفه واقع،
والحيطان متآكلة.
وعلى جنب…
في مكان كان زمان زريبة مواشي،
ومتغطي بمشمع مهلهل،
شاف رمضان.
كان نايم على كراتين.
جسمه هزيل،
وشه محروق من الشمس،
وهدومه مقطعة ومتهالكة.
الغضب ولّع في قلب آدم.
افتكر إن أخوه ضيّع الفلوس
على قعدة شمال،
ولا لعب،
ولا أي حاجة وسخة.
آدم زق باب الزريبة برجله.
رمضان فاق مفزوع.
"رمضان!"
آدم صرخ وهو بيعيّط من القهر.
"فين القصر؟!
عشر سنين شقى في الغربة!
كنت بأحسب اللقمة عشان أبعتلك!
وإنت نايم في زريبة؟!
الفلوس راحت فين؟!"
رمضان وقف بالعافية.
وآدم اتخض لما شافه…
مكسور،
مُسن أكتر من سنه بكتير،
ماشي بالعافية.
رمضان ما اتعصبش.
ولا رفع صوته.
بس ابتسم ابتسامة موجوعة.
وطّى،
وسحب علبة بسكويت قديمة
من تحت الكراتين اللي كان نايم عليها.
فتحها…
ومدّها لآدم
وفيها اللي خلّى قلبه يقع…

آدم مدّ إيده وهو متلخبط،
قلبه بيدق بعنف،
فتح العلبة وهو متوقع يشوف إيصالات،
أوراق فاضية،
أو حتى ولا حاجة.
لكن اللي شافه خلّى رجليه ما تشيلوش.
جوا العلبة كان في مفتاح كبير تقيل،
ومعه رزمة أوراق مربوطة بخيط قديم.
آدم بص لأخوه بعصبية: "إيه ده؟!"
رمضان قعد على حجر،
وشه شاحب،
وصوته طالع بالعافية:
"افتح… واقرأ."
آدم فتح الورق.
عقود.
أوراق رسمية.
أول ورقة: عقد أرض
مش أرض واحدة…
تلات أراضي،
مسجلين باسم آدم.
تاني ورقة: عقد بيت
بيت مش قصر…
بس دورين،
على الطوب الأحمر،
في مكان نضيف،
جنب المدرسة والمستشفى.
آدم رفع عينه: "إيه ده يا رمضان؟!"
رمضان ابتسم ابتسامة هادية،
اللي بتيجي بعد تعب طويل:
"ده البيت اللي هتسكن فيه…
مش اللي تتفرج عليه."
آدم لسانه اتربط.
رمضان كمّل:
"فاكر لما قلتلي عايز قصر؟
أنا فكرت…
القصر يتشاف،
بس البيت يتعاش."
بلع ريقه وكمل:
"الفلوس ما راحتش.
ولا جنيه ضاع.
بس البلد كانت محتاجة."
آدم قلب في الورق…
شاف إيصالات تبرعات.
مستشفى الوحدة الصحية.
سقف مدرسة اتصلّح.
شبكة ميّه دخلت بيوت ما كانتش بتشرب نضيف.
رمضان قال بهدوء موجع: "كنت ببني قصر…
بس مش من طوب."
آدم حس صدره بيولع.
"طب وانت؟!"
صرخ.
"وانت نايم هنا ليه؟!"
رمضان سكت لحظة،
وبعدين قال:
"علشان كل فلوسك تبقى ليك.
كنت بشتغل بالأجرة،
واللي يفضل أرجّعه في الأرض.
لما صحتي راحت…
ما بقتش قادر."
آدم قرب منه: "طب ليه ما قولتش؟!
ليه عشتني عشر سنين على حلم كدب؟!"
رمضان رفع عينه لأول مرة،
وفيها دموع محبوسة:
"علشان لو كنت قلتلك،
كنت هتبطل تبعت.
وأنا كنت عايزك ترجع…
مش غني.
راجع."
طلع نفس طويل وقال: "الفلوس بتيجي وتروح،
بس الرجوع…
الرجوع نعمة."
مدّ إيده بالمفتاح: "ده مفتاح البيت.
اللي بنيته عشانك…
وعشان ما تسافرش تاني."
آدم ما استحملش.
وقع على ركبه.
الدموع نزلت من غير صوت.
حضن أخوه بقوة،
كأنه بيعوّض عشر سنين غياب في حضنة واحدة.
"سامحني…"
قالها مكسور.
"سامحني إني شكّيت."
رمضان حضنه: "كفاية إنك رجعت."
بعد شهور…
الزريبة اتشالت.
رمضان عاش في البيت الجديد.
آدم فتح مكتب هندسة صغير في البلد.
شغل ولاد القرية.
بقى الناس تقول:
"ده بيت اتبنى من غُربة…
بس اتسكن بالنية."
والقصر؟
القصر الحقيقي
ما كانش سور عالي
ولا بوابة حديد…
كان أخ
استنى أخوه
لحد ما رجع. 💔🤍

تم نسخ الرابط